
في
التنمية والتعاون الاقتصادي العربي
د.بشار عباس
يشهد العالم على العتبة الفاصلة بين قرنين
وألفيتين ، تبلور التحولات الاجتماعية الاقتصادية العميقة التي تقودها تكنولوجيا
المعلومات في سياق : ثورة المعلومات والاتصالات ، مما سيؤدي في النهاية إلى بناء
مجتمع المعلومات وتشييد بنى الاقتصاد الجديد : اقتصاد المعرفة أو الاقتصاد
الإلكتروني .
ويدور
الحوار والجدل اليوم حول ( مجتمع المعلومات ) و ( الاقتصاد الإلكتروني ) في معظم
عواصم الدول المتقدمة وفي مراكز الأبحاث والدراسات في جميع أنحاء العالم ، ولم يعد
هذان الاصطلاحان وقفاً على الدراسات النظرية ، بل إنهما اليوم يشكلان الركن الأهم
في برامج الحكومات وخطابات السياسيين وحملاتهم
الانتخابية ، وقد انتقل هذا الموضوع من الطرح النظري البارد إلى المعارك السياسية
الساخنة ، وأصبح في واجهة الإحداث ، حتى أنه كان الموضوع المركزي في قمة أوكيناوا
للدول الثماني (G8) الذي
انعقد في النصف الثاني من تموز/ يوليو/ 2000 في اليابان ، حيث أقرت القمة وثيقة
جديدة تحت عنوان : " ميثاق
أوكيناوا حول مجتمع المعلومات العالمي " . وقد أوجز هذا الميثاق رؤية البلدان
الثماني الكبرى (G8) لمجتمع المعلومات العالمي ، وقد ورد فيه مايلي :
"
تشكل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إحدى أعظم القوى الكامنة التي تساهم في تشكيل
ملامح القرن الحادي والعشرين ، وينعكس تأثيرها الثوري على طريقة حياة الناس
وتعليمها وعملهم ، وعلى طريقة تفاعل الحكومات مع المجتمع المدني، وبسرعة تغدو
تكنولوجيا المعلومات والاتصالات محركاً حيوياً للنمو في الاقتصاد العالمي "،
وهي تؤهل أيضاً كثيراً من الأفراد والجماعات والشركات التي تتميز بالإقدام ، في
جميع أنحاء العالم ، لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية بفاعلية أكبر وبقدرة
مبدعة أعظم . ثمة فرص هائلة إذاً أمامنا لاقتناصها وتقاسمها".
كما
ورد في الميثاق :
"
تمنحنا المكاسب المحتملة لاستخدام تكنولوجيا المعلومات (IT) وعوداً هامة من أجل استنهاض المنافسة وتطوير ورفع مستوى
الإنتاجية ، وبخلق النمو الاقتصادي ومهن جديدة ، ومهمتنا لا تنحصر فقط في رفع
المعنويات بل في اكتساب فوائده الاجتماعية والثقافية والاقتصادية " .
"
وتمثل تكنولوجيا المعلومات (IT) فرصة ضخمة لنشوء وتطوير اقتصاد البلدان التي تنجح في اطلاق
طاقاتها الكامنة ، فهي تستطيع أن تنظر إلى الأمام للقفز فوق العقبات التقليدية
لتطوير البنى التحتية ، وللوصول إلى أهدافها الحيوية للتطوير الفعال ، مثل تخفيض
الفقر ، والرعاية الصحية ، والتعليم ، والاستفادة من النمو العالمي السريع للتجارة
الإلكترونية (E-Commerce) . وقد حققت بعض البلدان النامية تقدماً هاماً في هذا المجال
" .
وإن
ميثاق أوكيناوا لا يشكل الوثيقة الوحيدة حول مجتمع المعلومات ، ذلك أن هذا المجتمع
لم يتشكل بعد بصورته النهائية ، ولذلك تسعى القوى السياسية والاقتصادية بمختلف
توجهاتها إلى طرح برامجها حول بناء مجتمع المعلومات والاقتصاد الإلكتروني بما
يتناسب مع مصالحها ، ولذلك نخطئ عندما نتصور أن وجهة نظر إحدى الدول أو أحد
الباحثين تمثل تماماً الشكل الذي سيكون عليه مجتمع المعلومات أو الاقتصاد
الإلكتروني ، بل إن هذه البرامج والتوجهات ليست سوى مشروعات مختلفة لبناء مجتمع
المستقبل ، وهي مشروعات قد يتلاقى بعضها جزئياً وقد يتعارض مع بعضها الآخر ،
وسينهض مجتمع المعلومات واقتصاد المعرفة من هذا الجدل والحوار ومن الأثر الفعلي
الناتج عن تقاطع هذه المشروعات ، وعن محصلة القوى التي تقف وراءها .
وتجدر الإشارة في هذا المجال إلى خطاب رئيس
الوزراء الفرنسي في 25/8/1997 الذي ألقاه في جامعة الاتصالات ، حيث قال : "
مجتمع المعلومات سيكون على الصورة التي نقرر نحن أن نصنعها ، وإن ما نحتاجه هو أن
نعرض على الشعب الفرنسي هدفاً ورؤية سياسية في هذا المجال ، وهذه الرؤية هي مجتمع
المعلومات التعاوني " .
ولذلك فإن العرب مدعوون اليوم إلى استكشاف
الفرص الحقيقية التي يمكن فعلاً أن يستفيدوا منها في سياق هذه التحولات الاقتصادية
الاجتماعية العميقة ، وخاصة في إطلاق القوى الكامنة في المجتمع العربي ، وتطوير
ورفع مستوى الإنتاجية وخلق نمو اقتصادي ومهن جديدة ، والوصول إلى بناء بيئة فعالة
ومنفتحة وقادرة على المنافسة والإبداع ، إلا أن أهم الاحتمالات المطروحة أمام
البلدان العربية اليوم ، تتلخص في الإفادة من مميزات الاقتصاد الإلكتروني في تعزيز
التعاون الاقتصادي العربي ، وتحقيق الأمنية العربية القديمة المتجددة في بناء تكتل
اقتصادي عربي قوي وفعال ومؤثر في الاقتصاد العالمي .
ولا يفوتنا أخيراً ، التأكيد بأن على العرب
أن يستكشفوا الاحتمالات والإمكانات الحقيقية المطروحة أمامهم ، بهدف تشكيل صيغة
منسجمة لرؤيتهم الخاصة لمجتمع المعلومات العالمي ، واعتماد برامج استراتيجية لبناء
مجتمع المعلومات العربي ، وتشييد تكتل اقتصادي عربي مستفيدين من خصائص الاقتصاد
الإلكتروني .
2- واقع التعاون
الاقتصادي العربي :
لم تتجاوز الصادرات البينية العربية في
الفترة ( 1990-1995 ) نسبة 10.5% من إجمالي الصادرات العربية ، ولم تتجاوز
الواردات العربية البينية في الفترة نفسها نسبة 9 % من إجمالي الواردات العربية .
ولا تترك هذه الأرقام أدنى شك في أن هذه
النتائج لا تعتمد على الجهود المبذولة نحو تنمية التبادل العربي من خلال تجربة (
السوق العربية المشتركة ) التي أنشئت في عام 1964 ، وإنما نعتقد أن هذه النتائج
ليست سوى نتيجة طبيعية لقوة الدفع الكامنة للعلاقات الاقتصادية العربية بحكم ظروف
الجوار الجغرافي والانتماء القومي .
وقد
أدى قصور تجربة ( السوق العربية المشتركة ) إلى محاولة إنشاء تجربة جديدة هي (
منقطة التجارة الحرة العربية الكبرى ) عام 1998 وسنحاول فيما يلي استعراض هاتين
التجربتين .
1.2 – تجربة السوق العربية المشتركة :
أنشئت السوق العربية المشتركة في 13/8/1964
وقد وافقت في البداية أربع دول عربية على الانخراط في هذه السوق وهي : الأردن
وسورية والعراق ومصر ثم اتسعت دائرة العضوية خلال الثمانينات لتشمل ثلاث دول أخرى
هي ليبيا وموريتانيا واليمن .
وترمي اتفاقية السوق إلى حرية انتقال عناصر
الإنتاج ( الأشخاص ورؤوس الأموال ) وكذلك حرية تبادل البضائع ، وحرية الإقامة
والعمل وحرية النقل والترانزيت .
وقد اتخذت قرارات عديدة بدءاً من عام 1965
تهدف إلى توحيد التشريعات الجمركية تجاه الدول الأخرى ضمن إطار ( التعرفة الجمركية
الموحدة ) .
ويبلغ حجم الناتج المحلي لدول السوق /204/
مليار دولار (إحصاءات عام 1995 ) مما يشكل سوقاً واسعة وهامة تستطيع تحقيق أشياء
كثيرة ، وقد نشر صندوق النقد العربي الإحصاءات التالية حول السوق :
|
الدولة
|
صادرات
الدولة لأعضاء السوق (1) |
صادرات الدولة
لباقي الدول العربية (2) |
إجمالي
صادرات الدولة (3) |
نسبة
صادرات الدولة لأعضاء السوق إلى صادراتها العربية (2:1) |
نسبة
صادرات الدولة لأعضاء السوق إلى صادراتها الإجمالية (3:1) |
|
الأردن |
539 |
627.6 |
1474.4 |
85.9 % |
36.6 % |
|
سورية |
138.7 |
938 |
3426.1 |
14.8 % |
4 % |
|
العراق |
272.4 |
410.5 |
421.8 |
66.4 % |
64.6 % |
|
ليبيا |
124.6 |
505.7 |
8519.3 |
24.6 % |
1.5 % |
|
مصر |
88.8 |
617 |
5531.9 |
14.5 % |
1.6 % |
|
موريتانيا
|
0.9 |
1.3 |
594.9 |
69.2 % |
0.2 % |
جدول
رقم (1.1.2)
* المصدر : صندوق النقد العربي .
التجارة الخارجية للدول العربية ( 85 –
1995 )
وعلى
الرغم من أهمية هذه الأرقام حيث أنها تتراوح بين (15.4 – 85.9 %) من نسبة صادرات
الدولة لأعضاء السوق إلى صادراتها إلى مجمل الدول العربية فإن هذه الصادرات نفسها
إذا نسبناها إلى إجمالي صادرات الدولة إلى مختلف بلدان العالم لا تشكل سوى نسبة
بسيطة تترواح بين ( 0.2 – 4 % )
باستثناء الأردن ( 36.6 % ) والعراق ( 64.6 % ) ويمكن تفسير ذلك بالأوضاع الدولية
التي يمر بها العراق والعلاقات الخاصة بين الأردن والعراق .
وتدل
هذه الأرقام عموماً إلى أهمية الدور الذي تؤديه السوق العربية المشتركة في دفع
حركة التجارة البينية ، رغم أن هذه الأرقام تبقى دون المستوى المأمول لتحقيق سوق
مشتركة حقيقية وحيوية و فعالة .
2.2- منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى
:
تهدف
منطقة التجارة الحرة العربية إلى الوصول إلى تحرير كامل لتجارة السلع العربية ذات
المنشأ الوطني ما بين الدول العربية خلال عشر سنوات اعتباراً من 1/1/1998 ، وذلك
باستخدام التخفيض المتدرج بنسبة 10 % سنوياً على الرسوم الجمركية والرسوم والضرائب
ذات الأثر المماثل ، مع إلغاء كافة القيود الجمركية وغير الجمركية التي تحد من
تدفق السلع العربية ما بين الدول الأطراف في المنطقة .
وقد
انضمت معظم الدول العربية إلى اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول
العربية باستثناء : الجزائر وجيبوتي وجزر القمر .
كما
أن بعض الدول المنتسبة إلى الاتفاقية لم تنفذ برنامج الاتفاقية ، أي لم تقم بإبلاغ
القرار إلى المنافذ الجمركية وهي : السودان والصومال وفلسطين وموريتانيا واليمن .
وعموماً
يمكن إيجاز أهداف الاتفاقية في النقاط التالية :
تنمية
العلاقات الاقتصادية والتجارية العربية البينية .
تعزيز
المكاسب الاقتصادية الاستاتيكية والديناميكية المشتركة للدول العربية.
الاستفادة من التغيرات في نظام التجارة العالمية
.
وضع
الأساس لقيام تكتل اقتصادي عربي تكون له مكانته على الساحة الاقتصادية العالمية .
وبذلك نلاحظ أن التوجه الاستراتيجي لهذه
الاتفاقية أكثر وضوحاً وتبلوراً من توجه السوق العربية المشتركة ، مما ينفي حصر
التعاون في مجال زيادة التجارة البينية العربية .
وللاتفاقية جوانب إيجابية عديدة إلا أن
أهمها التشاور بين الدول الأعضاء حول التعاون التكنولوجي والبحث العلمي وحول حماية
حقوق الملكية الفكرية ، و كذلك تطوير تبادل البيانات والمعلومات بين الدول
العربية وتكوين قواعد المعلومات الاقتصادية والإحصائية .
1.2.2 - أهمية منطقة التجارة الحرة
العربية :
تشكل
مجموعة الدول العربية الأعضاء في منطقة التجارة الحرة العربية سوقاً استهلاكية
واسعة فهي تضم أربع عشرة دولة يصل عدد سكانها إلى 180 مليون نسبة ( 66 % من مجموع
سكان البلدان العربية ) .
كما
تشكل الدول الأعضاء قوة اقتصادية يزيد إنتاجها الإجمالي على 522 مليار دولار
أمريكي ( 89 % من الناتج الإجمالي العربي ) ، ويبلغ متوسط دخل الفرد في هذه
المجموعة 3000 دولار أمريكي .
وتبلغ
قيمة صادرات هذه المجموعة حوالي 125.7 مليار دولار أمريكي ، (90 % من إجمالي
الصادرات العربية ) ، أما الواردات فتبلغ قيمتها حوالي ، 146.6 مليار دولار أمريكي
( 85 % من إجمالي الواردات العربية ) .
وتساهم
هذه المجموعة في 88 % من إجمالي الصادرات العربية البينية و76 % من إجمالي
الواردات العربية البينية .
ونورد
فيما يلي جدولاً يوضح أهمية الصادرات البينية لدول المجموعة:
الدولة
|
النسبة المئوية للصادرات البينية
|
الدولة |
النسبة المئوية للصادرات البينية |
||
|
1997 |
1998 |
1997 |
1998 |
||
|
الأردن |
40 % |
45 % |
عمان |
11 % |
21 % |
|
الإمارات |
5 % |
5.62 % |
قطر |
7 % |
7.9 % |
|
البحرين |
12 % |
34.8 % |
الكويت |
3 % |
7.9 % |
|
تونس |
8 % |
6.8 % |
لبنان |
3 % |
4.15 % |
|
السعودية |
10 % |
16.94 % |
ليبيا |
93 % |
48 % |
|
سورية |
7 % |
27 % |
مصر |
13 % |
7.3 % |
|
العراق |
99 % |
4.5 % |
المغرب |
| |