|
القمة العالمية للمعلومات
ضرورة قومية .. لا تتعارض مع إنجازاتنا الوطنية
محمد خير الدين الخطيب
الإدارة العامة لمركز المعلومات والمكتبة – جامعة
الدول العربية
عقدت القمة العالمية حول مجتمع المعلومات في تونس، وهذا العدد من
المجلة ماثل للطبع، مما يدفعنا إلى تساؤل مبرر ومتوقع لا سيما في خضم
الشعارات المطروحة والمصطلحات المتداولة والتوقعات والطموحات المرجوة
من القمة كقيمة مضافة لواقعنا العربي..
أين نحن حقيقة – وليس مجازا - من عالم المعلومات وهل حقيقة ما نردده
بأننا أصبحنا نملك موقعا بارزا على خريطة العالم الرقمي، بل وهل حقيقة
ما يردده بعض المتحمسين بأن أن هذا الموقع مؤثر وفعال؟؟
لن ندخل في هذه العجالة في سرد مقومات العالم الرقمي العربي، ولن نكرر
ونسرد إمكانياتنا وإنجازاتنا وهي موجودة وملموسة ولا يستطيع كائن ما
إنكارها أو حتى إغفالها.. ولكن الأمانة العلمية.. والالتزام القومي
بقضايانا يحتم علينا أن نشرح واقعنا .. وننظر إليه بعين الفاحص المتجرد
من أهوائه والمترفع عن ميوله..
إن المطلع على أدبيات مجتمع المعرفة العربي.. يرى كما هائلا من الإنتاج
.. ومحاولات مضنية لولوج هذا الفضاء المترامي الأطراف.. ونضالا مستميتا
لاحتلال ركنا فيه وسط عمالقة ووحوش مسلحة بتقنيات عالية وإمكانيات
مهولة.. .. ومن جهة أخرى.. فالمطلع أيضا سيلاحظ أن الأطراف العربية
تخوض نضالها ودفاعها المستميت عن كيانها.. منفردة وبمعزل عن أقرانها
وجيرانها وأشقاء أمتها.. هي لا تزال تسعى وللأسف إلى إثبات وجودها كطرف
مستقل وليس كمجموعة متضامنة.. والتنسيق الموجود أحيانا والمفروض عليها
أحيانا أخرى بدافع الشكليات أو الأدبيات لا يعزو كونه خطة منقوصة لا
تجد فرصة للاكتمال أو الإنجاز..
فالمحاولات لرص الصف العربي ومواجهة الغير كوحدة متضامنة متماسكة..
كثيرة ومشاريع التعاون العربي العربي في مجال المعلومات موجود منذ فترة
طويلة ابتداء من محاولات بناء الشبكة العربية للمعلومات ومرورا
بمحاولات إنشاء أدوات العمل العربية والمواصفات الموحدة وتعريب النظم
قياسيا، وانتهاء اليوم بالمحاولات الكثيرة والمتعددة بمسايرة تطور عالم
المعرفة الذي فرض نفسه اليوم من خلال النماذج العالمية وأهمها على سبيل
المثال المكتبة الافتراضية والمحتوى الرقمي وغيرها من المفاهيم التي
أصبحت سمة العصر وشرط الدخول إلى عالم المعرفة..
ولكن السؤال المطروح.. طالما النية موجودة.. وطالما المحاولات موجودة..
ولن نتكلم عن توفر الإمكانيات.. فلماذا لا نجد العالم العربي اليوم
يحتل مكانة بارزة ؟؟ مع أن القمة العالمية للمعلومات تنعقد على أرض
عربية.. وبمشاركة واسعة من الجهات العربية التي دخلت القمة بغطاء
تضامني واسع من خلال إدارة هذا الملف بشكل جماعي تمثل بالفريق العربي
للتحضير لهذه القمة والذي رعته وواكبته وحضنته وساهمت في تحديد زوايا
تحركه جامعة الدول العربية..
لن نسعى إلى جلد الذات .. ولن نلجأ إلى إبعاد المسؤولية عن طرف
وإلقائها على
الآخر ولن نبرر.. وهي
أمور احترفناها وأجدنا فيها.. ولكننا اليوم وبصدق وصراحة بحاجة إلى
تسمية الأشياء بأسمائها .. كما إننا اليوم وفي ظل العولمة والتكتلات
الكبرى يمنع علينا النظر إلى الوحدات المكونة للصورة العربية.. بل
المطلوب وبإلحاح اليوم أن نلغي التفاصيل.. ونركز على مجمل الصورة..
كامل الكيان.. إنه العالم العربي كاملا من محيطه إلى خليجه.. إنه
الوحدة المتكاملة التي يجب أن تكون قالبا واحدا ينظر إليه العالم كوحدة
متكاملة.. لا نستطيع أن نقول إن دولا بعينها في هذا العالم العربي تملك
مقومات العالمية وتحتل مركز متميزا _ وهذا صحيح – ولكن هناك دولا أخرى
عربية تملك الإمكانية.. وهناك دولا أخرى لا تزال بعيدة كل البعد عن
مجتمع المعلومات الحديث.. لأن القصور في أحد جوانب الكيان.. سيؤثر على
الصورة الكاملة له.
المطلوب اليوم تطوير التجربة العربية في التعاون.. كنا نأمل أن تناقش
القمة العربية للمعلومات موقفا عربيا موحدا.. تجربة عربية واحدة تنص في
تفاصيلها تجارب الوحدات المشكلة لها..
تجربة تقول
للعالم هذا هو العالم العربي وهذه هي الأمة التي أعطت للغرب أساس
حضارته وهو أحسن تلقيها وعمل على تطويرها وأعاد تصديرها لنا كأساس
للتطور..
نعم نحن ننطلق بكلامنا هذا من واقع حماسنا لقوميتنا وتعصبنا لها.. ولكن
ما حصل قد حصل.. ولن ينفع البكاء على الأطلال.. بل السعي إلى تطوير
الحالة الراهنة للوصول بها إلى مبتغانا.. فأمامنا كعرب تحد كبير ولن
نستحق الانتصار فيه إلا بالعمل الدؤوب والجهد الكبير.. ولكي ننتصر في
مواجهة التحديات علينا استكشاف مواطن الضعف والنقائص والعمل على
إلغائها.. فمواطن القوة لدينا كثيرة.. فنحن لن نبني على فراغ بل على
أساسات متينة أوجدتها تجارب الدول والمنظمات العربية.. ولكن.. ولكي لا
يتهاوى هذا البنيان عند أي نسمة أو هزة.. فلنستعرض ما يشوب مجتمع
المعرفة العربي من نقائص قد يكون في تلافيها مدخلا للارتقاء:
غياب السياسة العربية القومية للمعلومات.. مع أن المجتمعات العربية قد
قطعت شوطا كبيرا في هذا المجال على المستوى الوطني وأوجدت دولا عربية
عديدة لنفسها سياسة وطنية للمعلومات حددت من خلالها الأنساق التي تحدد
تداول وانسياب المعلومات من منتجها إلى مستهلكها بيسر وسهولة.. ولكن هل
يملك الوطن العربي كمجموعة واحدة نسقا يسهل انتقال المعلومات بيسر
وسهولة من قطر لآخر .. وهل تملك المجموعة العربية إطار فعالا لتبادل
البيانات بعد تحديد مصادرها والقائمين عليها.. بعيدا عن السيادة
ومتطلباتها من أمن قومي وخصوصية مجتمعية وغيرها؟؟
هل تملك الدول العربية مجتمعة خطة واضحة أو مشروعا متكاملا للتواصل
المعرفي والحضاري مع أبنائه المنتشرين في أصقاع العالم.. والمقصود هنا
العرب كجالية.. وليس جنسيات عربية مختلفة.. فالأكيد أن لكل دولة قنوات
اتصالها بمغتربيها.. ولكن هل فكرنا ولو لمرة واحدة أن يكون المغترب
العربي هو هم المجتمع العربي وليس دوله متفرقة؟؟
هل عملت المجموعة العربية على توزيع قدراتها الفنية والمادية لتطوير
قطاع المعلومات العربي على مساحة العالم العربي الخالي من الحدود
المعرفية (مفترض) فالحدود والسيادة والخصوصية حق لكل دولة.. نعم.. ولكن
أليست المعرفة حق عربي خالص لكل عربي في هذا العالم.. لقد تكاملت
المجتمعات الأخرى سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.. أكثير علينا أن نتحسر
نحن غير القادرين على التكامل المعرفي..
هل اجتمع معرفيو العالم العربي مرة ليتدارسوا أمر التجارب العربية التي
لم يكتب لها النجاح (قد يزعج البعض مصطلح الفشل) وهي كثيرة وانطلقت من
رغبة صادقة وبذل فيها مجهود كبير.. ألم يسقط مشروع الشبكة العربية
للمعلومات منذ عقدين من الزمن؟؟ ألم تذهب منجزاته التي لا تزال إلى
الآن ذات فائدة لكثير من المهتمين إلى المجهول؟؟.. ألم نحاول أكثر من
مرة توحيد المصطلحات والمقاييس .. تعريب النظم وتعميمها.. ألم نسمع
بالمحاولات العربية لإنتاج فهرس عربي موحد لكذا وكذا..؟
نعم كل هذا نجح وبتميز في بعض دولنا العربية.. وبعضها لا يزال يسعى إلى
هذا وغيره من محاولات الدخول إلى عالم المعرفة الرقمي الجديد.. ولكن
أيضا هناك من دولنا لم يسمع بهذا أو على الأقل يملك هما أكبر من هذه
الرفاهية وهذا الترف..وأولوياته تختلف عن أولويات غيره..
هذه تساؤلات.. ولن نقول حسرات..
قد
تكون الأساس لنجلس سوية ونتحاور ونضع الأسس العلمية التي تؤدي بنا إلى
الانطلاق من الوطنية إلى الإقليمية فإلى العالمية.. ألا تستحق شعوبنا
ومجتمعاتنا فرصة للدخول إلى عصر المعلومات بخطى ثابتة وواثقة؟؟ لماذا
لا نعمل على عقد القمة العربية للمعلومات.. ألم نرض بأن نكون فاعلين
وأساسيين في القمة العالمية؟؟ لماذا لا نكون هذه الحسرات وهي جزء يسير
أوردناه على سبيل المثال لا الحصر – نقاطا للبحث المستمر من خلال
الندوات العربية والاجتماعات القومية تحضيرا لقمة عربية للمعلومات تضع
المعايير والأسس التي تدفع بعالمنا العربي مقيميه ومغتربيه نحو احتلال
مكانة مرموقة في النسيج المعرفي العالمي بل وتسمح له بالمنافسة..
هذه دعوة للمخلصين والمهتمين برفعة هذا العالم العربي.. وكلنا يقين
بأنهم كثر وكثر جدا.. نوجهها من هذا المنبر الذي ارتضى الإطار القومي
شعارا لتحركه وهدفا لمسعاه.. فلنعمل لعقد قمة عربية للمعلومات حتى ولو
جاءت متأخرة عن مثيلتها العالمية لكن الوصول متأخرين
أفضل
بكثير من عدم الوصول.. والشرط الوحيد لرؤية هذا الحلم واقعا ملموسا..
الانطلاق من الإطار الإقليمي المتكامل والبعد عن الأطر الضيقة للوحدات
الوطنية – التي نحترم ونجل - والمشكلة لهذا الإطار..
|