|
التاريخ الشفوي حول العالم
الآفاق الحالية والمستقبلية
تأليف : دورا شوار ستاين
ترجمة : سلوى زاهر
مستخلص
تتناول الدراسة الشهادة الشفوية ومدى قيمتها بالنسبة للوثيقة المكتوبة،
وتقدم الدراسة تجربة استخدام المؤرخين للشهادات الشفوية لوضعها فى مجال
التاريخ الشفوى. وتنتهى الدراسة بالإشارة إلى تطبيقات مختلفة للتاريخ
الشفوى فى العالم.
مقدمة
لا يزال الحديث
في مجال التاريخ
الشفوي على أهميته يواجه كثيراً من التحديات ، ذلك أن التاريخ الشفوي
ضروري لكنه لا
يغني عن الوثائق المكتوبة.
ويرى بعض المؤرخين أنه لا يمكن اعتبار التاريخ الشفوي أو الشهادة
الشفوية تاريخا بحد
ذاتها، وإنما هي صور حية لأحداث مكتوبة
إلا أن أهمية الشهادة الشفوية تظهر عند غياب الوثائق المتصلة بالحدث أو
المعلومة أو عند تفسير
الحدث من قبل شخص أو أشخاص ساهموا في صناعته أو كان لهم دور
في القيام به.
بالإضافة إلى أنه إذا غابت الوثائق عن الحدث أو
عندما لا تعطي الوثيقة الجواب الشافي
فعندها لا بد من جمع شهادات عدد
من الناس الذين شاركوا فيه أو عاصروه، وبالتالي فإن الشهادة الشفوية
تلقي ضوءا يوضح الحدث ويساهم في تفسيره
.
وتبقى الشهادة
الشفوية شهادة ضعيفة لا ترقى إلى مستوى الوثيقة المكتوبة لأنها
تعتمد كليا على الذاكرة، والذاكرة لا يمكن الاعتماد عليها لما
يعتريها من تآكل
وغموض واختلاط في الصور والأحداث.
يجب أن يتوافر في الرواية الشفوية عدد من
الأمور
الأساسية أهمها: الحرية،
والحماية القانونية، والجرأة لدى الفرد في قول الحقيقة
وقول وجهة النظر، كما أن على الباحث أن يمتلك المهارات اللازمة
في إنجاح العملية
منها: إتقان لهجة الشاهد أو الراوي المحلية، و أن يكون لديه
مخزون من معرفة العادات
والتقاليد، بالإضافة إلى مهاراته في أسلوب كيفية توجيه الأسئلة
بالطريقة التي لا
تستفز الشاهد أو الراوي.
فكتابة التاريخ الشفوي من أهم الفرص المتاحة لتصحيح ما كتب حتى
الآن من قبل بعض
المؤرخين العاملين لصالح مؤسسات رسمية أو حكومات ، وهنا لا بد
أن نشير إلى وجود شبه إجماع على أن
ما كُتب حول التاريخ المعاصر
يتضمن جزءاً غير دقيق وجزءاً آخر غير كامل.
والخوف هنا في هذا المجال يكمن في أن
الهواة وغير المتخصصين والمندسين والمستعجلين
قد
يسجلون شهادات شفوية تضر بالتاريخ المعاصر خدمة لأهداف وأغراض جهات
معادية.
يقدم هذا البحث النظرة الشخصية لتجربة استخدام المؤرخين للشهادات
الشفهية لوضعها في مجال التاريخ الشفوي.
وتعتبر بدايات القرن العشرين نقطة انطلاق لهذا الاستخدام ويمكن
افتراض وجود إجماع عام حول المسائل التالية :
·
تشكل الشهادات التاريخية مصادر شفهية قيمة بالنسبة للأرشيفين وكذلك
بالنسبة لعلماء الاجتماع عموماً والتاريخيين خصوصاً .
·
بالرغم من أن الأرشيف يتفوق على كل خزائن الموظفين والوثائق المكتوبة ،
لا يقف أحد اليوم ضد قيمة الشهادات الشفهية وضرورة دمجها في الأرشيف .
·
الأرشيفيون مهتمون بإضفاء أهمية على الشهادات الشفهية تلبية لرغبة
المؤسسات الأرشيفية التي تطلب التزود بها من أجل إتمام مهمتها
التوثيقية .
يقال بأن" التاريخ الشفوي هو الطريقة الأحدث والأقدم في صنع التاريخ
" فكلا من تاريخ ثيسيدياسthucydides
و هيرودتس
Herodotus
لجأ إلى المصادر المتناقلة شفهياً حيث لم يكن متاحاً الحصول على
المصادر المكتوبة،واستخدم مؤرخو العصور الوسطى أيضاً الشهادات
التاريخية ، ولكن مع تحول التاريخ إلى حرفة بحد ذاته في القرن
العشرين. تم تطبيق المنهج النقدي الذي يحصر البحث التاريخي بالمصادر
المكتوبة فقط .
بعد ذلك ، دخلت الشهادات الشفهية كنتيجة لقلة المصادر التاريخية .
ومن هنا كان انبثاق التاريخ الشفوي واستخداماته النظامية تطوراً
جديداً نسبياً في العقود الماضية . ففي الولايات المتحدة عاد استخدام
الشهادات الشفوية للظهور في إعادة بناء التاريخ بعد الحرب العالمية
الثانية .فقد وظهر ما سمي بالتاريخ شفوي كحقل أكاديمي للدارسة عندما
أوجد آلان نيفين
Allan
Nevins
"مكتب التاريخ الشفوي" في جامعة كولومبيا سنة 1948.
وكان انتقاء المصادر الشفوية نتيجة لمتغيرات تاريخية وفكرية إضافة إلى
الأحداث السياسية التي لا تترك وثائق مكتوبة خلفها ،مثل حركات التحرر
في أفريقيا وآسيا و الأشخاص الحزبيين و مقاتلي الحرية في أوروبا. وهكذا
أصبح بالإمكان الإجابة عن أسئلة عديدة بقيت بدون إجابات من خلال
استخدام التاريخ الشفوي، وذلك لنقص التسجيلات المكتوبة.حيث تطابقت هذه
الطريقة مع " تاريخ المجتمع الجديد" . في العالم الأنجلو- ساكسوني :
مسائل تاريخية جديدة ، موضوعات ، وشعوب قد أبعدت من الموضوعات
التقليدية و أصبحت فيما بعد بفعل التاريخ الشفوي مهمة بالنسبة
للمؤرخين .
تجديد الفكرة كان له نتائج هامة على العلاقة بين المؤرخين ومصادرهم
بشكل عام . ليس فقط المصادر المكتوبة التي تؤخذ بالحسبان اليوم،
ولكن أيضاً نماذج أخرى من المواد مثل الموضوعات ، الصور ، والشهادات
الشفهية . التقاليد الوضعية للقرن العشرين التي أسست السيطرة المطلقة
على الوثائق المكتوية والتي واجهت تحدياً بهذه الطريقة . ومن هذا
السياق فقد وجدنا نمواً لاستخدام الوثائق الشفهية في العقود الحالية .
قد عززت الوسائل التكنولوجية الحديثة مثل آلة التسجيل وتسجيل الفيديو
هذا الاستخدام، فالتاريخ الشفهي هو الطريقة التي من خلالها يدلي
الشهود مباشرة بشهاداتهم للأحداث الماضية من خلال المقابلات من أجل
إعادة بناء التاريخ . وهذا يتطلب تقنية بحث خاصة وهي استخدام أنظمة
متنوعة، وزيادة الإدراك في عالم العلوم الاجتماعية . تقدم المصادر
بوسائل شتى من المقابلات لتصبح قاعدة لاستيعاب الظواهر المعاصرة .
خلافاً للمؤرخين الذين يبحثون عن المصادر المكتوبة المتعلقة بسلسلة
أحداث مات المشاركون فيها ، يمكن استخدام مصادر مكتوبة إلى جانب شهادة
الأفراد الذين كانوا جزء من الأحداث ومع ذلك نركز على الأحداث
المعاصرة . ومن هنا تكمن أهمية تحديد الفترة الزمنية لتطبيق التاريخ
الشفوي عليها . ويمكن أن تجد حماساً لتصحيح الماضي في السنوات الحالية
. وقد قدم بيير نوراPierre
Nora
تحليلاً لذلك
بما سماه
" هاجس الذاكرة " من خلال تدوينه لما سماه " تسخين الحاضر" على سبيل
المثال وهو تسريع العمليات التاريخية في الماضي القريب .أما بالنسبة
لرافييل صموئيل
Raphael
Samuel
فإن هذه الحركة تعد هوساً حقيقياً لحماية الذاكرة وتخترق كل مسارات
الحياة في كل العالم . وتعبر عن انتعاش كل شيء موروث وإعادة إنتاج
التراث القديم و كتابة المذكرات و النقاشات العامة حول المناسبات
السنوية ، وذكرى الأموات و والأوابد . فقد وجدوا تعابير خاصة في
الشهادات الشخصية . ولكن من السيئ أن نذكر في هذا السياق أن إعادة
الاهتمام بتجديد التاريخ الشفوي ضمن الدوائر الأكاديمية ، وفي
التجمعات المجتمعية والمؤسساتية عن طريق وسائل مختلفة تمتلك أهداف
متعددة . هذا الاهتمام العام بإعادة إصلاح التاريخ زاد من مزاولة
التاريخ الشفوي مغيراً إياه إلى الأداة التي تؤثر على الأبحاث
التاريخية محولاً إياها إلى ممارسة عامة في إيجاد التراث التاريخي .
نشاهد في أغلب دول العالم تقريباً نمواً لمشاريع التاريخ الشفوي . ولم
يكن النمو كمياً فقط و لكنه ترافق أيضاً مع وجود مشكلات نوعية .
بالنظر إلى تلك التطورات التي طرأت على التاريخ الشفوي يمكن تسليط
الضوء على ثلاثة مسائل تضمنها التاريخ الشفوي :
-
يحتاج الموثقون إلى خبرة في حماية وتفعيل المشكلات العامة للشهادات
التاريخية وذلك لتنوعها وخصوصيتها في أجواء تقديمها .
-
يحتاج الموثقون إلى إدراك المخاطر الضمنية في فكرة تقديم الشهادات
الشفهية وخصوصاً بهدف دمجها في أرشيفاتهم .
-
مناقشة المخاطر المتعلقة بالمعايير المنبثقة لتقدير الشهادات
التاريخية من أجل دمجها في الأرشيفات .
الاتجاهات والتوترات
انبثقت الحركة العالمية للتاريخ الشفوي كنتيجة للتوتر الذي حصل بين
تيارين متشددين ، التيار الأول يمثل قادة التاريخ الشفوي ودعاته
والتيار الأخر حركة إحياء صوت أولئك الذين همشوا من التاريخ ولم
يسجلوا فيه .
وقد سيطرت الفئة الأولى على أصول التاريخ الشفوي في الولايات المتحدة
ومازالت تسيطر على القيمة الهامة في العالم ، وهدفها الحصول على
سجلات للشخصيات مميزة، من شخصيات السياسة والمجتمع أو شهود لحوادث
تاريخية بواسطة تسجيلاتهم من أجل حفظها للأجيال القادمة . هذا الغرض
معناه خلق مصدر تاريخي بهدف ربطه بشكل قوي مع الأرشيف والمكتبات.
وبمعنى آخر كان التاريخ الشفوي أداة بالنسبة لجامعي السير الذاتية
الشفهية ، ووسيلة لجمع المعلومات للمؤرخين في المستقبل والباحثين .
وهناك صعوبات منهجية متعلقة بوجهات النظر والمستندات المكتوبة التي لم
تعنون حيث اقتربت بأسلوبها وأصبحت غير مختلفة عن التاريخ التقليدي
. وبغض النظر عن سبب جمع الشهادات الشفهية ، فهذا الجزء من مهمة
المؤرخين الشفهيين كان مشابهاً للموثقين بطريقتهم في تقديم المواد
للآخرين، وحفاظاً على فصل محدد بين إبداع الأرشيف الشفهي ومعالجته .
حيث كان الهدف الأساسي منه تقديم وثائق أيدلوجية حيادية وترك حرية
تفسيرها للآخرين .
بالنسبة للويس ستار "Louis
Star"
أحد
زعماء هذا التيار كان هدف التاريخ الشفوي " هو الحصول والحفاظ
على الذاكرة الإنسانية من أجل الأهداف التاريخية." مسائل كثيرة نتجت عن
هذه الطريقة تمحورت حول مسائل : كيفية تدعيم المواد التي تقدمها
المقابلات وكيف يمكن تطوير عملية المقابلات ؟ وكيف يمكن أن توثيق تلك
المقابلات ؟ وما هي العلاقة بين المصادر الشفهية والوثائق الأخرى في
الأرشيف؟ فالوثائق التي كانت في البداية عادة ما كانت تندمج مع
الأرشيف وتحت ظروف معينة تبقى كذلك .وبعد ذلك أصبحت المقابلات والمصادر
الخاصة معادلة
للمصادر التاريخية المكتوبة ولا تشكل
غالباً أية مشكلة بالنسبة للأرشيفيين فيما يتعلق بطريقة حفظها .
تطور الاتجاه الثاني في 1960 عندما
نشأ جيل جديد من المؤرخين خارج الولايات المتحدة وخاصة في بريطانيا حيث
تم توسع غرض التاريخ الشفهي ، و انتقلت المصالح المهيمنة من النخبة إلى
ممثلين مجهولين بهدف تقديم تاريخ اجتماعي لقطاعات مختلفة لم تحظى
بمساحة من الاهتمام سواءاً في الأدب أم في التاريخ المهيمن والذي كان
مقتصراً على فئة اجتماعية معينة . تنامى هذا الاتجاه في السنين
الحالية وسمح بتطوير مسائل هامة في تجارب التاريخ التي درست بصعوبة
بوسائل بنماذج أخرى و بوثائق مكتوبة أو مرسومة ضمن تجارب تاريخية
مختلفة مسائل قد غطيت اليوم مثل ظاهرة هجرة البيئة العمالية ، مشاكل
الجنس ، بناء الهوية العرقية وتنوع العاملين عن المجتمع.
التوتر الحقيقي ما زال يظهر اليوم
في سياق التوسع الكمي الهائل للتاريخ الشفهي ضمن سياقين مختلفين
للإنتاج و يمكن تميزهما : بـ السياق الأكاديمي والسياق الاجتماعي ،
أحدهما يحلل فقط الأوراق المقدمة في أخر اللقاءات الدولية للتاريخ
الشفهي الذي عقد في ريو دا جنيروا 1998 و في اسطنبول 2000 من أجل إثبات
ذلك.
الغرض الأساسي في الاتجاه الأكاديمي
ليس فقط تقديم المصادر الكثيرة ولكن تقديم المعرفة التاريخية لهذا
السبب كان الاهتمام المنهجي بطبيعة وفائدة الشهادات الشفهية التي تحمل
الحقبة الأساسية لهذه الأيام . الاستخدامات الحالية للتاريخ الشفهي
مرتبطة بالطريقة العامة وبتجديد الكتابات التاريخية التي عبرت في
انتشارها عن السجالات المنهجية ( في الأساليب ). وهذا أفرز ضياعاً
للفطرة المتعلقة بعملية التدوين التاريخي مما أدى إلى طرح تساؤلات
حول دور المؤرخين إضافة لسمعة المصادر، وهذا ساعد في توضيح كيفية فصل
المؤرخ عن الماضي واحتمالية فهمه له. وبالنسبة للتاريخ الشفهي خاصة
وكنتيجة للنقد الأدبي وما بعد علم الإنسان الحديث، تعدُ الشهادة مفتاح
المتغيرات وأصبحت الثقافة الصناعية معقدة حيث الطريقة التي قيلت بها
الشهادة هامة جداً .
مسائل مرتبطة بالذاكرة والعلاقة
بين التاريخ والذاكرة
إن مسألة استخدام الذاكرة " كشاهد
تاريخي " خضع لأشكال مختلفة من النقد الحاد .وعلى الأقل منذ نهاية
القرن التاسع عشر ركز المؤرخون على مدى ولاء الذاكرة تلك ، والمهم
بالنسبة إلى ذلك النقد كان التأكيد على تآكل تلك الذاكرة بفعل الزمن
وبتأثير
عوامل كثيرة منها
الزمن ومسألة الحنين التي تجعل الذاكرة غير موثوق بها في كثير من
الأحيان. ولكن منذ بدايات السبعينيات 1970 بدأ يلاحظ تحريفاً في
الذاكرة والذي بدا يبدو أكثر قوة منه ضعفاً . إحدى أهم تلك المتغيرات
كانت الاعتراف بكون الذاكرة غير موثوق بها وربما تشكل مصدراً للأحداث
أكثر منها مشكلة في تفسير وإعادة تشكيل الذاكرة .
ومما لا شك فيه أن الذاكرة ليست
بناءاً بيولوجياً قادراً على إعادة تقديم صورة الماضي بدقتها ضمن إطار
سؤالها المناسب . فالطرق التي يتذكر فيها الإنسان إضافة إلى ما يتذكره
لا تشكل فقط تساؤل حول سيكولوجية الفرد ، عمره ، جنسه وطبقته
الاجتماعية ومحيطه الثقافي التي تشكل حياته وذكرياته ولكن أيضاً هيئة
تلقيه لتلك الذكريات.. وهناك أبعاداً مختلفة للزمن ، وللتقاليد
القومية والتجارب المأسوية والتي تؤثر بشكل عميق وغير متساوي للتطورات
في الذاكرة . فالذاكرة غالباً ما تحفر تجارب جارحة ويمكن أن تقدم
شهادات تاريخية ومفاتيح لتنظيم تذكر الحوادث . فالذاكرة تعيد مراجعة ،
وتنتقي وتفرز وتعدل وتخزن الحوادث ، ولكن يمكن أن تكون الذكريات
المنسية في بعض الأحيان قيمة بالنسبة للذكريات المتذكرة . صحيح أن
التذكر دائماً يفصل ويشرح ويحلل ما حدث بشكل حقيقي ، وهذا بشكل بسيط
يشكل صوتاً من الماضي بمعنى آخر الذاكرة هي تفسير للأحداث التاريخية
المشتركة مع المتناقضات والأخطاء المسكوت عنها . الشئ الممتع هنا في
تلك الشهادات ليست فقط حقائق الماضي بل الطريقة التي يتم تذكر تلك
الذكريات بها و طريقة تفسيرها وإعادة تشكيلها استجابة لتغير الظروف
لتصبح فيما بعد كجزء من الوعي المعاصر .
فالفرد إضافة إلى الذاكرة الجماعية
والتي بالضرورة يجب أن تكون منتقاة والتي أجبرت على النسيان في بعض
الظروف .
إن احتمالية نسيان الفرضيات تدريب
كامل للذاكرة وهذا يعني أن ما يمكن تذكره ؟ وما يمكن نسيانه صفات يمكن
أن تكون متأصلة في الذاكرة .
فالجدل الدائر حول الذاكرة واستخدام
الشهادات الشفهية في إعادة بناء التاريخ حفز الاهتمام بالعلاقة بين
التاريخ والذاكرة . فالتاريخ والذاكرة ليسا متجانسين : فالسابق مقبول
عالمياً " وهو معرفة علمية " بينما الثاني وجد كاستجابة لمطلب إنساني
عالمي للمجتمعات البشرية حيث يشكل حضور التاريخ في الزمن الحاضر
عنصراً أساسياً للكائن الاجتماعي وباختصار التاريخ علم قائم بحد ذاته
لا جدل فيه وليس فقط استرجاع للذكريات من المجتمعات والأفراد بينما
تشكل الذاكرة جزء منه ولكن في الوقت
نفسه
تعتبر مفصلاً
رئيسياً منه .
تطبيقات مختلفة للتاريخ الشفوي في العالم
يجب أن تصنف الشهادات الشفهية تبعا
لسياق تقديمها إضافة إلى الموضوعات التي تتناولها والتقنيات الخاصة
المستخدمة لتقديمها وهكذا فإننا نجد شهادات في بلدان مختلفة مقدمة في
إطار الأبحاث الأكاديمية، السياسية، الاجتماعية واتحادات الشركات
التجارية والمنظمات المدنية مثل منظمات حقوق الإنسان والتعليم وحماية
ذاكرة المؤسسات التي تريد الحفاظ على هويتها، وبقايا مجموعات وجمعيات
بيئية التي تريد حماية هوياتها وهناك أشكال أخري للتقديم العام للتاريخ
منها المتاحف، المذياع، والأقراص الليزرية، التلفزيون والعروض المسرحية
.
ونظراً للاهتمام القوي في دمقرطة
الدراسة في الماضي فقد أصبح التاريخ الشفهي شائعاً. ففي الولايات
المتحدة شهد التاريخ الشفهي ازدهارا حقيقياً في الوسط الأكاديمي وكذلك
في الأرشيف، وهناك كثير من البرامج الخاصة وبتقدير وإعجاب عام. ففي
العموم بإمكاننا أن نجد بأن هناك مناطق للعمل في هذا المضمار : البحث
الفردي، التاريخ العام والأرشيف، وبالرغم من الأبحاث المنفذة من قبل
النخبة فالتطور بالنسبة للآخرين الذين يعالجون الأقليات العرقية،
وتجاوزات حقوق الإنسان ومجتمع الطبقة العاملة مازال يشكل جزء
ضئيلا في مفكرة التاريخ الشفهي الأمريكي في الوقت الحاضر. المتاحف تشكل
المنطقة الأخرى حيث يلعب التاريخ الشفهي
دوراً رئيسياً فيها. وهي مركز الأفكار الجديدة وإحدى
الطرق الجديدة لتقديم التاريخ لجماهير أوسع وغير جامعية .
أما في أوروبا فالتاريخ الشفهي يتطور
بشكل غير متساو،
بريطانيا تعتبر مثالاً جيداً للتوسع الهائل للتاريخ الشفهي ضمن الوسط
الأكاديمي "الجامعي". فكل أنواع المنشورات، المسرحيات، المعارض ووسائل
الإعلام التي ظهرت حالياً تقدم منتجاً محلياً يوثق لحياة الناس
العاديين إضافة إلى المتاحف الوطنية ، المكتبات ، والأرشيف، المدارس،
المستشفيات الجامعات، المؤسسات ضمن المجتمعات المحلية والقرى إن تنوع
تلك المشاريع من أجل
تدوينها في التاريخ هائل وكبير إضافة اختلاف الأشكال التي يختارها
لتقديم المنتج النهائي.
والمشروع الحالي الممتع وهو الذكرى
الألفية لبنك المعلومات في الأرشيف القومي في المكتبة البريطانية.
والذى
يعتبر واحد من أهم
التجمعات في أوروبا للتاريخ الشفهي حيث سجلت تجارب،
وآراء للمواطنين
الإنكليزيين من عامة الشعب.
ومن جهة أخرى هناك عدد كبير من
المشاريع الاجتماعية الممولة عن طريق صندوق التراث اللوثري
.
أما في فرنسا وكنتيجة لالتزام
الأرشيفيين للمصادر الشفهية فقد لوحظ نمو أولي للتجمعات في الأقسام
إضافة إلى الأرشيف القومي ويعتبر" إنشاء معهد تاريخ الأزمنة المعاصرة
" في 1978 نقطة هامة في إنشاء المجموعات للشهادات الشفهية التاريخية
في فرنسا وهذا معناه مشاركة هامة في نظرية الأفكار المعرفية وفي الطرق
اللاحقة وأهمية هذه القيمة وعلاقتها بالتاريخ.
أما إيطاليا فقد تأثرت بالأوربيين،
وبدأت بدراسة ضد الفاشية والحركات الحزبية وآلية التطور كنتيجة للإزدهار
دراسات ما بعد الحرب العالمية الثانية حول هجرة الفلاحين
إلى المدن
والتغيرات التي طرأت على وعي الطبقة العاملة.
وعرف التاريخ الشفهي
الايطالي بمنهجيته ونظريته المعقدة.
أما تطور التاريخ الشفهي في إسبانيا
فقد بدأ بعد موت فرانكو فقد بدأت المصادر الشفهية تظهر كطريقة لإصلاح
ما سمي القومية التاريخية في كتالونيا . وقد لوحظ اهتمام كبير بالمصادر
الشفهية في الوسط الأكاديمي والاجتماعي في أسبانيا وحظي بمكانة مرموقة
في الأرشيف ونشرت صحيفة
"
historia antropologia y Fuentes "orales
في برشلونة منذ 1988 وتعتبر المنشور الوحيد في إسبانيا الذي يهتم
بكامله بهذا المجال .
أما في بلدان أوروبا الشرقية فقد نتج
التاريخ الشفهي كإعادة مكاشفة لللتجارب المأسوية للتاريخ جراء العنف
وكطريقة لدمقرطة الذاكرة والتاريخ ودرس الاحتجاج السياسي وعبث
الستالينية والاضطهاد السياسي والقتل والمشانق كلها كانت مواضيع بدأت
بالحركة الحقيقة لاسترجاع التاريخ، ففي بولندا بدأ التاريخ الشفوي
باستعادة الأقليات لثقافتهم الضائعة وبدأت الحركات العرقية تبحث عن طرق
لتوثيق ذاكرتها لحفظها للأجيال، ففي بلد مثل بيلاروسيا حرص المؤرخين
هناك على تاريخهم عن طريق التراث الثقافي، وصناعتهم اليدوية ويحاول
هؤلاء إقامة مشاريع متنوعة للحفاظ على تاريخهم وهويتهم من خلال المصادر
الشفهية التي يحاولون أرشفتها باستخدام التقنيات الحديثة .
أما في جنوب إفريقيا فقد جمعت "لجنة
الحقيقة والمصالحة" التي أنشئت بعد إلغاء قانون التمييز العنصري
الشهادات الشفهية للضحايا العنف وكل من خرق حقوق الإنسان والمجرمين
الذين أساؤوا إلى الحقوق البشرية والتجاوزات التي حدثت في سنوات
التمييز العنصري ليصار إلى توثيقها . ومن جهة أخرى أطلقت الحكومة
برنامج طموح للإصلاح الزراعي من أجل مساعدة الناس الذين فقدوا أيديهم
في ظل القانون العرقي منذ 1913 وبالنظر إلى نقص الوثائق المكتوبة
فهذا التاريخ يبقى ناقص الأدلة في محكمة إصلاح الأراضي وإحدى أهم
العقبات التي واجهت في المنطقة وهي نقص الموارد الاقتصادية لتنفيذ
المشاريع الهامة والجديدة وفي اللقاء العالمي في 2002 للتاريخ الشفهي
في جامعة نتال في جنوب أفريقيا شجع التطور في هذا المجال في أفريقيا
.وهنا يمكن القول أن استخدام التاريخ الشفوي يعود لأسباب مختلفة : فهو
أداة عمل تسمح للمضطهدين بمطالبة
تصحيح
تاريخهم وحفظ تجارب جارحة وكل من خرق حقوق الإنسان وهو هنا يمكن من
الاحتجاج السياسي وتطوير الديمقراطية والحرية . ألا أن هناك بعض
التحديات التي أثارت جدلاً ونقاشات عدة منها دور المحقق في إنتاج
التاريخ الشفوي وعدم موضوعية في علاقة المواضيع المثارة في الحوار في
بعض القضايا ، وإن معالجة التاريخ الشفوي من طرف المتصرفين في الوثائق
تجعلهم في مواجهة مع مشاكل نظرية ومنهجية وتقنية تفرض عليهم تحديد ما
يجب إنشاؤه وانتقائه ووضع تقانين ومقاييس و الخوف من أن الرواية
الشفوية لا يمكن الاعتماد عليها بسبب ما قد يعتريها من
الخطأ الناتج عن التحريف والنسيان قد ولى إلى غير رجعة وذلك بفضل
التقنيات الحديثة
التي أخذت تبرز إلى حيز الوجود.. وسيكون
للتاريخ الشفوي دوراً هاماً في إرساء الديمقراطية وفي تعميم الأرشيف.
|