إصدارات النادي

 

تأملات مؤرخ
عــــلى مســـــتقبل الأرشـــــفة
ترجمة: ماجدة تامر
مقدمة:

إنني كمؤرخ أعد نفسي ذا حظوة كبرى وصاحب امتياز كوني أمضيت قرابة 40 عاماً أعمل في حقل الأرشفة• وفي مناسبات عدة قمت بإنقاذ العديد من المحفوظات والمخطوطات من التلف وعملت على ترتيبها وتنسيقها وإطلاع الناس عليها على نطاق واسع وبشكل أفضل•
هناك بعض الأمكنة التي يمكن أن يقدم فيهارجل مثقف مثل هذه الثروة من الأرشيفات ومن البنى والعناصر المساعدة للإعانة في مثل هذه الدراسات، المحفوظات والأرشيفات هي وحيدة وإن المسائل التي تقود الباحث لفحصها هي ليست ذاتها التي تقود الآخرين لأرشيفات مختلفة أخرى• إن مثل هذا الموضوع يمكن العثور عليه في المكتبات، أي قيام عدد من الباحثين بدراسة الموضوع نفسه وفي الكتب نفسها، وفي أماكن مختلفة لايمكن أن تبرز هنا•
إن كل المحفوظات والمخطوطات التي أراجعها كانت حصراً في مجال اختصاصي، فإن أراد أحد ما فحص المدونات ذاتها عليه اللجوء إلى الأرشيف حيثما وجدت هذه الأرشيفات، ومن هنا كانت شروط الامتياز: فهناك أشخاص وأبنية وأدوات ينحصر عملها بتقديم الخدمات بالنسبة للأشخاص الذين يقومون بدراسة هذه المدونات في المكان نفسه، تلك المدونات والمحفوظات والمخططات المتوفرة فقط في أرشيفات خاصة•
فكم يدوم هذا كله ؟ وكم تبلغ كلفة تقديم مثل هذه الخدمات لهذا العدد من المستخدمين قياساً في هذا المجال للاستفادة منها لتكون نتائج البحث وأعمال الباحثين واضحة بعد دراسة جيدة كماً ووزناً وكلفة؟
تلك الانعكاسات دفعتني لكتابة هذه الأسطر بغية توضيح الحالة المرضية التي أنعم بها الآن• ولكي ألفت النظر لإمكانية التحول بانتظار عالم الأرشيف وأثره على عمل القائمين عليه، وفي الوقت ذاته على الطلاب الباحثين عن الأحداث التاريخية وعملياتها فينقسم مقالي هذا إلى ثلاثة محاور:
ـ الأول يدرس كيف تطورت العلاقات بين الأرشيف والمؤرخين في إيطاليا•
ـ الثاني التغيرات الهائلة التي أدت إلى قيام أو ظهور مجتمع المعلوماتية ذي التأثير الكبير على الأرشيف خاصة وعلى الحضارة والثقافة عامة•
ـ الثالث يشير إلى السيناريوهات الممكنة لقطاع الأرشيفات والمحفوظات•
1ـ تطور العلاقة بين المؤرخين وأرشيفات الدولة في إيطاليا
تأملت طويلاً الطريقة أوالوسيلة التي يتم بها تنظيم أرشيفات الدولة خلال مرحلة ماقبل الوحدة الإيطالية، والقرن الذي تلى الوحدة الوطنية الإيطالية• فمن جهة يجب الانتباه للخطوط الواضحة بين إدارة الأرشيفات والمشروعات السياسية المتطورة للطبقة الحاكمة مع النظر في الوقت ذاته إلى تماسك الولايات الإيطالية ماقبل الوحدة، ومن ثم إلى الوحدة السياسية والثقافية في إيطاليا ككل• وفي كل الولايات الإيطالية التي سبقت هذه الوحدة• كانت إدارة الأرشيف (مايمكن أن يطلق عليه اليوم اسم الأرشيفات المركزية) تعتمد على أشكال وأرقام مرتبة تنجز أعمال الحكومة، وبعد توحيد إيطاليا ومضي فترة قصيرة على ضم إدارة الأرشيف إلى وزارة التربية أصبحت وزارة الداخلية هي المسؤولة عن مراقبة كل الأجهزة التي أقامتها على المستوى المحلي والمركزي لإدارة المحفوظات التي تقدمها الدوائر المركزية والمحلية للإدارة العامة• ،هكذا وباختصار فإن وزارة الداخلية أصبحت هي المسؤولة عن كل الأعمال المتعلقة بأرشيفات مختلف الأقسام والدوائر في الولايات الإيطالية السابقة قبل الوحدة•
هناك مظهر آخر جدير بالاهتمام يتعلق بطريقة تدوين التاريخ المستخدمة في ذاك الوقت في إيطاليا وفي أماكن أخرى، وبالدور الأساسي المسند لتعليم التاريخ في النظام التربوي والتعليمي• فقد تأثر علم تدوين التاريخ في القرن التاسع عشر تأثراً كثيراً بالثقافة الإيجابية التي تختار المؤرخ للقيام بمهمة التحقيق من كيفية وقوع الحوادث على أساس التحليل النقدي أو الانتقادي للمصادر الوثائقية المتوفرة، إن هذه الحقائق أحدثت انطباعاً عميقاً في تاريخ الأمة السياسي، الذي كان تاريخ الطبقات والعائلات الحاكمة ولم يكن تاريخاً للمدينة قبل توحيد البلاد•
إن إعادة بناء التاريخ وتعليمه في إيطاليا خصصت لمهمات التشجيع ودعم عملية التوحيد الوطني وبصورة خاصة ترويج التربية الأخلاقية والمدنية للمواطنين المدعويين للقيام بدور فعال في الحياة• إن قانون "كازاتي" لعام 1859 الذي يعترف بالتعليم الابتدائي في ولاية "سافوا" والذي تم تعميمه في الدولة الإيطالية ككل، ينص على أن المدرسة هي مصدر التربية والتعليم التي تركز على واجبات المرء وواجبات المواطنين، وفوق ذلك بالنسبة للدستور الأساسي للمملكة الإيطالية آنئذ• وفي إصلاحات "باسيلي" لعام 1894 فقد كان التاريخ يحدد مهمة نشر التعليم مع مراعاة حاجيات الأمة الإيطالية وطموحاتها• و الغرض من ذلك نشر المعرفة وحب الوطن وتحريره بفضل المفكر ين والذين ضحوا بأرواحهم لتحريره من العبودية الطويلة، وتعزيز الاقتناع بأن شرف البلاد وثروتها يتعلق بالأمانة والاستقامة والإبداع والعمل وشجاعة المواطنين، ولقدتطلب بالتالي من الأطفال وهم في الصف الثالث الابتدائي أن يتعلموا حوادث الماضي التي حولت المقاطعات الإيطالية المضطهدة والمجزأة إلى بلاد كبيرة ودون ذلك لايمكنهم أن يدركوا معنى أهمية الحقوق الجديدة، ولا أن يستخلصوا العبر من التاريخ للقيام بواجباتهم في خدمة الوطن بكل إخلاص وتفانٍٍ ونكران للذات، كما يجب توفير الكتب المدرسية للمعلمين لتطوير التعليم الابتدائي الإجباري•وتشكل الكتب المدرسية الخلاصة العقائدية الجديدة للمجتمع المدني، وهي تحدد في صفحاتها العناصر التي تساهم بخلق عواطف الوطنية والإيمان بالمبادىء الأساسية للدولة الجديدة للأجيال الفتية•
ويأتي أرشيف الدولة في إيطاليا ليعارض هذه الأسس التربوية والثقافية، فمهمة هذا الأرشيف جعل دراسة التاريخ المطلوب ممكنة بغية إيجاد الأدوات اللازمة التي يعهد بها إلى المعلمين بتدريس التاريخ: وهي الكتب المدرسية الخاصة بالصف الثالث الابتدائي والمدارس الثانوية والجامعات• إن تنظيم الأرشيف في القرنين التاسع عشر والعشرين كان ينظر إليه باهتمام بالغ وأحياناً بصورة أساسية، وهو جزء من التوحيدالثقافي لإيطاليا بعد التوحيد السياسي الذي تم بالقوة وثبت بالاستفتاء العام•
وفي هذا الإطار فإن المهمات المسندة إلى العاملين في حقل الثقافة داخل الجامعات وخارجها وإلى مدرسي التاريخ والمؤرخين المحليين وإلى المبدعين كانت متصلة مع المهمات الواجب تنفيذها من قبل القائمين على الأرشيفات، وبصورة خاصة جمع المحفوظات أو المخطوطات وتصنيفها وحفظها، وهي التي توثق تاريخ الحكومة السياسي للبلاد•
وبالطبع لايوجد أهداف يشملها مبدأ تنظيم أرشيفات الدولة، وقد لوحظ أن نقل المحفوظات والمخططات إلى الأرشيف يستغرق من خمس إلى عشر سنوات بعد الانتهاء من استخداماتها العادية، وهذا يعني أن مكاتب الأرشيف تتلقى كميات هائلة من المحفوظات الجديدة التي تم استخدامها بكثرة في المكاتب التي صدرت منها أو من قبل الأشخاص العاديين•وهذا مايفسر الحقيقة بأن فحص المعلومات لفترات طويلة وبصورة خاصة لمدة 32 عاماً بعد توحيد إدارة الأرشيفات في إيطاليا (1874 ـ 1905) يظهر 1688347 عملية بحث (ولكن المدة ليست دقيقة لأن وحدة القياس تختلف من أرشيف لآخر)، وتبين أن 23% من هذه البحوث فقط هي لدراسة الأهداف العامة مقابل 77% بالنسبة لأهداف الإدارة الخاصة•
إن الاستخدام الإداري للتسجيلات المحتمل تناقصها في السنوات القادمة عندما تنخفض المدة المحددة في الأرشيف لاستيعاب المحفوظات الإدارية والتاريخية بالنسبة لعملية النقل قد طالت في الواقع إلى 40 عاماً• وهي الفترة الواردة في مرسوم رئيس الجمهورية رقم 1409 تاريخ 30 أيلول 1963 بغية الاحتفاظ وإنقاذ العمل الثقافي للأرشيف، كما ورد في التقرير الذي يمثل المرسوم، والحقيقة: إن أرشيف الدولة ارتبط بالعمل الثقافي، وقد تبين ذلك بنسبة 73% ، من الرقم الإجمالي للأبحاث المنفذة وهو 186945 في فترة 1966 ـ 1967 بالنسبة للدراسة مقابل 26% بالنسبة للأهداف الإدارية والخاصة•
إن الظاهرة الأولى ونعني الثورة في مجال التدوين التاريخي مازالت لها الأثر المباشر على فكرة الأرشيف وعلى ظاهرة التنظيم الأرشيفي، إن التبدلات الأخرى التي تؤثر على المدرسة كان لها النفوذ على مستخدمي الأرشيف وعلى ولادة الأعمال الجديدة المطلوبة للأرشيف، وأيضاً على الفكرة الجديدة للمحفوظات بالنسبة للبحث التاريخي، وفي سنوات مابعد الحرب العالمية الثانية تأثرت إيطاليا بتبدلات جذرية في التفكير بالنسبة للعملية التربوية التي طبقت في بلدان أخرى منذ العقود الأولى للقرن العشرين، وهناك نتيجتان:
1 ـ إن الحذر الناتج من دروس الأساتذة لعملية تعليم الطلاب وهدف التعليم يشمل عدداً من الحقائق في ذاكرة المعلم بالإضافة إلى فهم ماتقدم وأي شكل من التجربة والخبرات•
2 ـ إن التعليم المبني على أساس التكرار مازال يعد مرحلة تعليم تربوي، ولكنه يندمج مع فكرة التعليم على أساس الفهم والإدراك وكنتاج لعملية الذكاء، والهدف هو بناء مجموعة من المهارات لدى الطالب لكي يتخذ أو يطبق شكلاً محدداً في امتلاك العمليات المنطقية والمبدئية واتخاذ الإجراءات الفنية اللازمة التي هي أصل المعرفة الصحيحة للموضوع، وذلك بغية مساعدة الطالب لفهم عناصر المعرفة المقدمة وتقوية شخصيته باستقلال تام، وهذا يدل على تحول جذري وفقاً للأهمية النسبية•
إن الموقف السلبي للطالب، بتلقي الأفكار فقط، والذي يستقبل المعلومات من الأساتذة أو المدرسين يفتح إلى موقف مفعم بالنشاط يدعمه تقييم ذاتي مبني على اكتساب تقنيات دقيقة ونوعية• فالمدرسة لم تعد سوى مركز لنقل الثقافة القائمة والصالحة بصورة عامة وبالتالي لا تتبدل• وهي الآن أي المدرسة تسعى لأن تصبح مركزاً لإنتاج الثقافة التي ينظر إليها هنا بأنها القدرة على إنتاج المعرفة ـ وإنها تحولت من مكان مقدس، حيث إن الحقائق الواردة في الكتاب قد تم استلامها بصمت في مخبر تحولت فيه هذه النشاطات وطبقت•
بالإضافة إلى ذلك فإن الأهمية هنا ترتبط بالأداة الوسيلة (فيزيائية وعقلية) وباستخدامها للاحتفاظ بالمعرفة الواقعية• ذلك أنه ليس لأن التربية الجديدة أو علم أصول التدريس ينبذان أو يرفضان مثل هذه المعرفة، ولكن لأنهما يغيران من عمله ومن وضعه أثناء عملية التربية• إن المعرفة الحقيقية بكل بساطة هي غير مقبولة• وإن هذه المعرفة تدمر ثم تعود لتبنى من جديد حتى تتمكن الآليةالتي تنتجها من الكشف عنها وامتلاكها• ومن جهة أخرى فهي واقعة في وضع مؤثر فعال أي إنه يستخدم كوسيلة لبناء معرفة أخرى• وباختصار فإن علم أصول التدريس يركز ليس فقط على المعرفة ولكن على المهارة أيضاً عبر التجارب•
من ناحية ثانية ،يعد التبديل الذي يتم في مجال أصول التعليم والتدريس والذي يلاقي الشكل مباشرة للتعبير في توجيه الأعمال المدرسية بمنزلة الأحداث في مجال تدوين التاريخ• وكلاهما متصلان بالتبدلات الجذرية التي تعطي قطاع العلوم الإنسانية الخصائص المميزة• ففي التربية يجب الانتباه والحذر من ضعف التعليم الملتصق أصلاً بالدرس والكتاب المدروس والذي ينظر إلى الطالب وكأنه موظف أو وكيل والذي ينحصر دوره في تلقي الدروس وتكرارها• وفي أعمال تدوين التاريخ يجب الانتباه إلى خطورة ضعف البحث الذي يبنى حول المعرفة الموضوعية وتنظيم الأعمال المتعلقة حصراً بالطاقة و العاجزة عن تحري الأسباب العميقةو البعيدة، إذ تؤدى هذه الأعمال غير المفيدة خارج تاريخ الطبقة الحاكمة الممتلكة للقوة وممارستها• إن مثل هذا التدوين التاريخي ـ عندما يكون مبدعاً ومجدداً ـ يلاقي نجاحاً ويضيف أعمالاً وحقائق جديدة لم تكن معروفة في السابق، وهي تفسير وتوضع في سياق عمليات ولادتها وهذا ليس أمراً مربكاً ولا صعباً• وهو (أي هذا التدوين) يهدف بنزعته المعهودة إلى التبسيط لأنه يمثل صورة الحقيقة أحادية أو ثنائية الأبعاد ويشرف على الأبعاد المتعددةالتي يتصف بها تاريخ المجتمعات التي تختلف من مكان إلى آخر ومن فترة إلى أخرى•
إن قيام الثورة في حقل التدوين التاريخي يرتبط بولادة سجلات التاريخ الاقتصادي والاجتماعي الذي وضعه المؤرخان الفرنسيان "بلوك"و "فيبغر" تلك كانت معركة أولية ضد التاريخ السياسي الذي هو من جهة قصة، وتاريخ حوادث من جهة أخرى• وبالتالي فإن التعاون قد تطور بين التاريخ وعلم تدوين التاريخ• بين التاريخ وعلم الاقتصاد• التاريخ الجديد هو تاريخ البيئة، ولكنه فوق ذلك تاريخ البشرية جمعاء الموجودة في هذه البيئة• إن تاريخ الحياة اليومية رأى النور في أبعاد الحياة المادية والفكرية، وطال ظل التاريخ الجديد نوعياً في الأساس لأنه يستخدم كميات هائلة من المعلومات لوضع الصيغ الخاصة بالتراجم وسير الماضي• فقد تم استخدام الحواسيب الإلكترونية خلال العقود القليلة من الزمن بغيةمعالجة هذه المعلومات وبالتالي تطوير العلاقة بين المعلوماتية والبحث التاريخي، والتي لاقت تطبيقات أخرى في قطاعات أخرى من البحث في العلوم الإنسانية• وأخيراً فإن مرحلة الثورة هذه هي التي تغنينا الآن بالأكثر، وإن التاريخ الجديد قد أدخل تبدلاً جذرياً بالنسبة لهذه المخطوطات والمحفوظات ، إن الانتباه المكرس إلى كل طبقات المجتمع ودراسة أوجه الحياة جميعها في عمليات القرن الطويل المرتبطة بالتقاليد وبأنظمة الغذاء قد أدى إلى استخدام المخطوطات ومواد أخرى التي لم تتم مشاهدتها من قبل لنقلها إلى الأجيال القادمةفكان هنا انفجار وانفعال مريع لهذه المخطوطات إذ أصبح كل شيء يدون ويعدمن المحفوظات، إن مبدأ التدوين تمت إعادة النظر فيه بصورة جذرية حتى أصبح لدينا فكرة واضحة قادرة على تقديم عناصر المعرفة مع استخدامه كنوع من بناء تاريخ المستقبل•
إن انتقاء كل بناء طوره التاريخ يستدعي الانتقاء الدوري للكتب المدرسية التقليدية و التي تظهر تطويره بالوسيلة الجديدة لعلم أصول التدريس• فالكتب المدرسية وبصورة خاصة الابتدائية منها تقدم نفسها كمجموعة من المعلومات والقوانين التي تمت صياغتها لطلاب المدارس بشكل يمكنهم تعلمها وتكرارها معاً مع التمارين التطبيقية•
ويتم التركيز بصورة خاصة على الموضوعات الموجهة دون إحداث الضرر بالبنية الداخلية أو بأصول التدريس، ذلك أن الكتب المدرسية تغفل المسائل التافهة في عملية التعليم•ففي حين يبدو وجود تماثل كبير بالنسبة للمهمات المحددة في التاريخ الجديد وفي أصول التدريس الجديد ـ كما هو مقدم وقائم وواقعي لأن المطلوب هو الشخص الذي يقدمه ـ فهناك روابط هامة بين التاريخ الجديد وأصول التربية الجديدة:
1ـ حولت أصول التربية الجديدة هدفها من المعرفة إلى المهارة، ومن المعرفة الواقعية "كما يهدف التاريخ" إلى القدرة على الفهم وبناء المعرفة الواقعية لطرح أسئلة جديدة أكثر من الأجوبة النهائية الحالية•
2 ـ إن الطريقة الجديدة للتعليم ولتنفيذ الأبحاث كلاهما مبنيان في الأساس على الرغبة نفسها في البحث والفهم بأن ذلك ناتج عن العلاقات الحالية اليومية، فالحاضر هو الذي يقدم المشكلات والقضايا التي تنسب إلى الماضي وإلى الأدوات الثقافية للإجابة عنها•
3 ـ هناك الرغبة نفسها في التفسير، فعلم التربية الحديث يهتم بالمهارات أكثر من المعرفة، ولايهدف إلى تراكم المعلومات المعرفية بل يريد أن يولد المعرفة البناءة الفعالة التي تولد التفكير الخلاق، وبالطريقة نفسها فإن تاريخ المؤرخ الفرنسي "بلوك" لايبحث سرد الوقائع والأحداث ولا تعداد المصادر دون قيام علاقات أو حدود عملية• بل إنه وضع تصنيفاً منطقياً ووضوحاً تدريجياً على فرض أن هذه العلوم صحيحة لأنها نجحت في تأسيس روابط تفسيرية لهذه الظواهر•
فيما يتعلق بتعليم التاريخ فإن الثورة في حقل أصول التدريس قادت إلى فتح آفاق وأبواب في المناهج الأكاديمية، بدءاً من المدارس الابتدائية حتى الجامعة، والتركيز على العمليات والأشخاص وعن حياتهم التي كانت شبه مجهولة في الماضي• بالمقابل أدى ذلك إلى تركيز نوع من العناية والانتباه إلى المحفوظات والأرشيف، وتلبية للطلبات الجديدة من الخدمات التي يعبر عنها في المدرسة يمكن النظر إليها في الأقسام التربوية التي تم إحداثها في أرشيفات الدولة العديدة• تلك هي مهماتها في تفسير كيفية تنظيم الأرشيفات لنشر المحفوظات الأكثر وثوقاً بصلتها بالموضوع الذي يدرس في مدارس الأطفال ولتقديم المساعدات التعليمية التي تسهم في الجهد المشترك لمعرفة أوسع في عالم الأرشفة وفي غزارة التوثيق التي تحويها• وكما أشرنا أعلاه فإن فائدة الأرشيف التي شجعت وسائل التدوين التاريخي ترتبط عن كثب مع مختلف الخدمات وتقييم المحفوظات التي كانت مهملة أو مغمورة في السابق• وبالإضافة إلى ذلك فإن إعادة تصنيف المحفوظات وتقييمها قد تم تنفيذها في أرشيفات كانت مهملة كأرشيفات الأبرشيات والكنائس والأديرة ومؤسسات دينية أخرى، وأرشيفات البلديات وهيئات محلية أخرى، وأرشيفات القضاء ومكاتب توثيق كتاب العدل ووزارات الدولة على اختلاف مستوياتها•
بدأت العناية بالأرشيف في إيطاليا على قسم من التدوين في النصف الثاني من عام 1970 عندما بدأت المدارس بتطبيقه ومازالت حتى الآن، كما استمر العمل في التعديل والتصحيح حتى اليوم• وقد عرفت السنوات الأخيرة فوائد متقاربة ركز عليها المؤرخون والمدارس• وبالرجوع إلى المرسوم 682 الصادر عن وزارة التربية بتاريخ 4 تشرين الثاني لعام 1996 الذي تم فيه إدخال التعديل الجديد لتأريخ القرن العشرين في السنة الأخيرة من المرحلة المدرسية المتوسطة والعالية بما فيه تعديل مناهج السنين السابقة، وكذلك الترتيب الزمني للفترات التي يجب دراستها في سنوات المدارس الخاصة•
إن هذا الإجراء يشمل ثورة في وسائل الكتب المدرسية المطلوبة اليوم لإعطاء تحليل القرن العشرين ،مع الانتباه الشديد أكثر من الذي تم استخدامه وتطبيقه في القرن التاسع عشر•
وفي الوقت نفسه يفترض إجراء التماس الأكبر مسبقاً وبشكل مباشر بين المدرسة ومحفوظات القرن العشرين، لأن هذه هي الطريقة الممكنة لإنجاز هذا الحكم الهائل من المعلومات والمراجع في مناهج السنة المنصرمة التي أشار إليها القرار الوزاري الآنف الذكر•
فما هو الجواب لهذا الطلب الجديد الذي ينظم أرشيفات الدولةوبالتالي الأرشيفات العامة بوجه عام؟ وما هو الوضع بالنسبة للتوثيق في القرن العشرين المحفوظ في الأرشيف؟ وما هو الرقم المحتمل للأرشيف الذي يعهد به إلى طلاب ومعلمي القرن العشرين الذي يمكن تطبيقه بغية الحصول على المعلومات والمراجع المطلوبة في عملية التربية؟
أعتقد أنه من الصواب القول إن معظم أرشيفات الدولة هي غير مهيأة بشكل جيد لمواجهة الطلبات الجديدة للتوثيق في القرن العشرين، والتي يمكن للمدارس أن تعبر عنها، فالعديد من المواد وثيقة الصلة بالموضوع ليست محفوظة أو معدة للحفظ في أرشيفات الدولة هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن أي توثيق يمكن الاحتفاظ به ومازال معداً في الأصل لتلبية طلبات أنواع من التدريب التاريخي للسياسة والمؤسسات، وعاجز عن تقديم الأجوبة للعديد من المسائل المتعلقة بالاقتصاد الحديث وفي الواقع الاجتماعي• فالمؤرخون القائمون على الأرشيف لم ينتبهوا أو يعطوا أهمية للتاريخ الحديث والمحفوظات المعاصرة•
بدأ العمل بكتابة تاريخ المجتمع الإيطالي في العصر الحديث ذلك لأن معظم مؤرخي تلك الفترة كانوا مجرد مؤرخين للسياسة أوللمؤسسات الحديثة• وتصديقاً لذلك فإن العناية القليلة التي تنسب إلى أرشيفات الفترة الحديثة لم يجهد أحد نفسه في إيطاليا ليأخذها بالحسبان ويكتشف الشروط التي وجدت بها، وبالتالي ينظمها بشكل يمكن مراجعتها ودراستها•
أما المحفوظات التي تتعلق بالعصر الحديث، كما عرفها القرار الوزاري لعام 1996، والتي بدأت في السنة الأولى لما يسمى في إيطاليا بالجمهورية الأولى ـ التي بدأت في نهاية عهد الفاشية والحرب العالمية الثانية ـ فهي تغطي الفترة الممتدة من عام 1900 إلى عام 1960 تقريباً ولم يعد عملها لمحفوظات إدارية عادية، وهي الآن ليست معدة للدراسة•
إن مخطوطات العصر الحديث تمتلك وسائل وقاية مختلفة في ظل القانون الإيطالي تبعاً إما لكونها محفوظات مكاتب الدولة والإدارة العامة والمراكز الأساسية للدولة والجمعيات والأفراد، أولكونها محفوظات حكومية أو إفرادية خاصة•
إن التشريع الذي يعطي وجوداً وحفظاً للمحفوظات الإدارية للدولة ليس ثابتاً دوماً• ففي حين يكون هذا التشريع سخياً في قوانين التنظيم وعمل أرشيف الدولة (محدداً للمحفوظات التي تحول إليهم والمخطوطات وثيقة الصلة بالموضوع) وكذلك وكالات الإشراف على المحفوظات (محدداً نوع التشريع والإشراف الواجب تطبيقه على هذه المخطوطات العامة والخاصة للفائدة التاريخية) فهو أي هذا التشريع يبخل أو يضن في تنظيم إيجاد المحفوظات الإدارية العادية للدولة وحفظها، وينطبق الشيء نفسه بالنسبة لأرشيفات الهيئات العامة الأخرى ذات الطبيعة الاقتصادية والإقليمية•
وفيما يتعلق بالمحفوظات الخاصة ـ التي تحوي أرشيفات المواطنين الخاصة والعائلات والشركات والجمعيات والأحزاب السياسية والمؤسسات الدينية والمنظمات المعنية يإيجاد المخطوطات وحفظها ـ فإنها تعود بكل بساطة إلى المقالات وثيقة الصلة بالتشريع الإيطالي العادي• والسجلات التي تؤكد أساس العمل النظامي للشركات والهيئات والجمعيات وتوثيق الصفقات ذات الأهمية التشريعيةالخاصة ذات الصلة بالأشخاص يجب أن تتطابق والأحكام المعلنة في أربعة قوانين وخاصة القوانين المدنية•
إن الأحكام التي تشمل المحفوظات أو المخطوطات ـ التي تشكل كميات الأرشيف المعاصرـ لاتميز بين الأنواع المختلفة للتسجيل عند تطبيقه بسبب وجودها• ولهذا فإن المؤرخين لعصرنا هذا لن يكونوا قادرين على الاعتماد على مجموعة من المعطيات والمعلومات الموجودة في بعض المحفوظات الأرشيفية لأن تلك الأرشيفات لم يتم حفظها• فمئات الآلاف من المحفوظات والمخطوطات قد تم العثور عليها وتدميرها، وربما ينتظر المحفوظات العادية وشبه العادية التي تنجز أعمالاً هامة في حياة الأشخاص والشركات أو الجمعيات المسؤولة المصير نفسه•
إن الأرشيفات العادية وشبه العادية للمحفوظات الهامة ( أساسها الورق في كل الأحوال) وتتعلق بتاريخ المؤسسات والمجتمعات والثقافة والاقتصاد والدين في إيطاليا، وبوسعنا الآن الشروع بآلاف المكاتب الحكومية التي تقدم مخطوطات مع القليل من المراجع، للفروع المركزية للإدارة وكذلك للمحلية منها، وكلاهما على المستوى الإقليمي (محاكم ـ مكاتب حكومية ـ دوائر مالية ـ مناطق عسكرية ـ سلطات مراقبة السير ـ إلخ•••) وفوق ذلك كله وعلى مستوى البلديات (هناك عدد من الهيئات التعليمية العامة في كل بلدية)•
وبالنسبة للهيئات العامة وأرشيفها فإن إحصائيات تمت في أواخر عام 1960 أظهرت نحو 60 ألف شركة أو هيئة، وبالتالي عدداً أكبر من الأرشيفات العادية وشبه العادية لأن بعضاً من هذه الهيئات المعروفة كانت بالمقابل منظمة في إحدى البلديات• ويشمل هذا الرقم أكثر من 13 ألف من المجالس البلدية والإقليمية والاتحادات المالية والتجارية، وهناك نحو 30 ألفاً منها تعمل في مجال الصحة والضمان الصحي وقطاعات التقاعد وما يزيد عن 14 ألف في القطاع المدرسي وأكثر من 2000 في قطاع التربية والتعليم•• وهكذا، إن مكاتب الدولة والهيئات العامة كان قد تم أخذها بالحسبان في مراقبة الإحصاء التي تنظر إليها كوحدات محلية للمؤسسات العامة جنباً إلى جنب مع الوحدات المحلية للشركات•
إن الإحصاء الذي جرى في إيطاليا عام 1998 أظهر وجود /3.8/ مليون وحدة للشركات والمؤسسات المنتشرة عبر الأراضي الإيطالية• وهناك نسبة كبيرة من هذه الوحدات تتألف من وحدات صغيرة وصغيرة جداً، ولكن ينظر إليها في أي حال بأنها قدمت أو تقدم محفوظات ومخطوطات، وبالتالي فإنها تمتلك أرشيفاً، وحتى لو عددنا الشركات والمؤسسات التي يزيد عدد العاملين فيها عن العشرة فإن عدد الوحدات في أي حال يعد كبيراً كما هو مبين في الجدول التالي المبني على الأرقام بدءاً من إحصائيات عام 1991 •
ولتقديم جواب أولي للسؤال الوارد أعلاه وبصورة خاصة الآن قام مئات الألوف من الأرشيفات اعتماداً على واقعية إيطالية معاصرة• وهذه الأرشيفات يجب إنقاذها من التلف وتأمينها لتطوير معرفة تاريخ القرن العشرين الذي أصبح الآن موضوعاً إجبارياً في نهاية العام للتعليم الإجباري وتسليط الضوء على تاريخ إيطاليا المعاصرة وعلى مخطوطاتها المتوفرة فيها وهذا مايشكل أدوات لاتحصى يمكن استخدامها لشحذ المهارات الحرجة•
تقوم التكنولوجيا الجديدة الآن بحفظ المخططات الهامة الموجودة في هذه الأرشيفات كمادة سهلة حتى فيما يتعلق بالماضي القريب، ولكن كل هذا يفترض مسبقاً أن تكون الفائدة الأساسية مأخوذة من هذه الأرشيفات من قبل كل علماء الاجتماع والمثقفين•
لقد علق المجتمع الإيطالي أهمية كبرى عبر حكومته للفهم العميق لتاريخ هذا العصر، فإذا كان مثل هذا الفهم قد تم الوصول إليه فسيكون أيضاً من الضرورة تعليق أهمية لإصدار الأحكام بالنسبة لحفظ ووقاية المحفوظات موضوع البحث ولوضع مخططات تدريب ونماذج تنظيم إعادة بناء، جاعلين ذلك ممكناً بالنسبة للمخططات الواجب جمعها وحفظها ثم دراستها في مجتمع عصري•
ولكن هل هذا ممكن؟ وهل ممكن في شروط لوجستية؟
الجواب: نعم، هذا ممكن إذا ضاعفنا عدد المراكز بالنسبة لمركزية الدولة والمخططات الخاصة والعامة التي يتم نشرها عبر البلاد بعشر أضعاف أو ربما مئة ضعف، وممكن إذا كان جمع المحفوظات والمخطوطات وحفظها واستخدامها بقصد إعادة بناء التاريخ والتعليم عملاً أولوياً في التطوير المدني والثقافي للبلاد، وتوفرت المبالغ المالية والعناصر اللازمة•
2 ـ أثرالتغيرات التي أدخلها مجتمع المعلومات على الأرشيف والثقافة
إن الطلبات المقدمة استجابة للحاجات التي يعبر عنها بطريقة التدوين التاريخي والنظام التربوي ـ خاصة فيما يتعلق بتاريخ القرن العشرين ـ هي جوهرية•
وعلى كل، فإن مستقبل الأرشيف ربما يكون معقداً للغاية بسبب الثورة التي أحدثها قيام مجتمع المعلومات ،ويمكنه إسدال الستار على الخدمات التي تميز على الأرجح القرن الحادي والعشرين ، وتعد التنبوءات التي طورتها اللجنة الأوربية هي المرصد الهام والموثوق بالنسبة لمستقبل إيطاليا، بل مستقبل أوربا كلها فيما يتعلق بذلك •
إن تقرير عام 1994 حول أوربا ومجتمع المعلوماتية ظهر فيه تحول أوربا إزاء مجتمع المعلومات كجواب أولي للأزمة البنيوية العميقة التي تؤثر على القارة الأوربية من زيادة كبيرة في البطالة وعجز متزايد لعدم القدرة على المنافسة ليس فقط للمناطق المتطورة ولكن للبلدان النامية أيضاً• إن الإجراءات الأولى التي اتخذتها اللجنة الأوربية بعد التقرير الذي يشمل تحرير نظام الاتصالات والذي أدى إلى خفض المهمات وتشجيع تطور البنى التحتية اللازمة لمجتمع المعلوماتية• الوسائل نفسها التي تم استخدامها في مخطط العمل في المؤتمر الأوربي عام 1994 • وتم اعادة النظر فيها عام 1996 بهدف تحسن البيئة التجارية التي قام بها مجتمع المعلوماتية بتطوير وتحسين التربية والتعليم والتدريب بالنسبة لهذا القطاع وتحسين الخدمات لصالح المواطنين الأوربيين ومعالجة مشكلة المنافسة في العلاقات والشروط الشاملة•
إن تقرير "بانجمان" ميز سلسلة من المبادلات على شكل تطبيقات تجريبية مخصصة لإظهار عدم جدوى الخصائص المتجددة لمجتمع المعلومات وإقناع المواطنين الأوربيين بالنسبة للمزايا المرتبطة مع الخدمات الجدية• إن اثنتين من هذه التطبيقات كان لهما علاقة بالمعنى العام بالقطاع الأرشيفي• فالتطبيق الأول كان يتعلق بإيجاد مراكز تدريب بعيدة لتطوير برامج التدريب المهني ومناهج التربية لصالح كل من الشركات (التي ترغب بامتلاك عناصر ذات كفاءات ومهارات عالية وبأجور زهيدة) والإدارة العامة بسبب انخفاض الأجور والأمل بالحصول على الموارد الثمينة بالنسبة للتدريب والتعليم، والتطبيق الثاني يتعلق بإيجاد شبكة من الجامعات ومراكز البحث بغية التوثيق الخاصة بها لتحسين إنتاج برامج البحث بفضل التعاون بين الهيئات والمراكز المعنية•
إن هذه الإجراءات هي بالتالي الأولى التي تندمج بالعولمة لتصبح عملية معقدة تشمل آليات التعامل والتقارب العالمي للتفاضل أو التفريق واتساع مدارك الأفراد، وفي بعض الأحيان فإن هذا يؤيد توقعات الذين عاصروا العقود السابقة من الزمن بأن معنى التطور البشري يرتبط بين كلية الفرد وكلية الجميع•
إن عملية العولمة هذه تنشأ الآن في علاقات معقدة ولكنها سببية واضحة مع قيام وظهور مجتمع المعلوماتية• هناك تناظرات غربية بين التبدلات التي أحدثتها عملية العولمة وتلك التي سببها منطق مجتمع المعلومات الأكثر أهمية حتى الآن:
1 ـ أن كليهما يركزان على العنصر البشري بأنه الهدف الأول بالنسبة للسلع التي يقدمها•
2 ـ كلاهما يتخذان بعداً عالمياً كسيناريو للمراجع والمقارنة الثابتة•
3 ـ كلاهما يستمدان فوائد جمة من إيجاد قرية عالمية للاتصالات آخذة بالاتساع لتحيل كوكبنا "الأرض" إلى سوق انتاج واستهلاك•
وفي السنوات الأخيرة تطورت الاتصالات في المجتمع الإيطالي بعد أن انتشرت بحماس وقلق مؤكدة قيام مجتمع المعلوماتية على الأرض الإيطالية على الرغم من وجود بعض الاختلافات بالنسبة للبلدان الأخرى• فقد ركزت مراكز الإحصائيات باستمرار في التقارير والدراسات العديدة في هذا القطاع بقصد تزويد بعض الإحداثيات والعوامل التي تجعل من الممكن تفسير الظاهرة المعنية وخاصة العلاقة بين المجتمع وتكنولوجيا الاتصالات، بين المجتمع واستهلاك الاتصالات بين المجتمع ومضمون الاتصالات، وقد أطلعنا هذا المصدر أن 48% من الشباب الإيطاليين يستخدمون الإنترنيت بواساطة الحواسيب الشخصية، وإن 76% من المعلمين هم على اطلاع على المعلومات الأولية على الأقل، وإن 21% على الأقل من الإيطاليين يستخدمون الإنترنيت بواساطة الحواسيب الشخصية في منازلهم• وعلى الرغم من أن هذه الأرقام ليست سلبية كلياً فهناك هوة مازالت عميقة بين إيطاليا وبقية الدول الأوربية في مجال الحواسيب الإلكترونية على مستوى الأسر•
ويشير فصل تقرير مكاتب الإحصاء المختصة حول توزيع المنتجات ذات التقنيات العالية بالنسبة للمستهلك إلى التناقض السائد في أوجه عدة للأوضاع في إيطاليا التي تتصف بالاستهلاك الكبير للمنتجات الجديدة دون الربط مع أي من إمكانياتها الاقتصادية والثقافية• ويشير هذا التقرير إلى أن هذه النتيجة قد أيدتها لجنة أوربية حديثة تتعلق بالاستهلاك المنزلي والمواقف في دول الأعضاء الأوربية الخمس عشرة فيما يتعلق بالاتصالات وتكنولوجيا المعلوماتية• إذاً هنا التناقض: فاستهلاك المنتجات التكنولوجية يتميز بأنه لم يتطور على المستوى الأوربي وقد أوجد تباعداً في المستوى الاجتماعي• وفيما يخص المنتجات التقنية فقد ثبت أنها كانت رفيعة وسابقة للفوائد والإمكانات على الرغم من الغموض الذي يكتنف الابتكارات في ممارستنا اليومية لها، إلى ذلك شرعت الحكومات الأوربية بتحديد مجتمع المعلومات وتعريف منتجاته على أنه عنصر هام في واقع الحياة الاقتصادية، في حين تركت أمور المنتجات التقنية والخدماتية في إيطاليا كلياً لمبادرات السوق المحكومة بوجود مؤسسات كبرى ذات نفوذ يخص تطوير المبادرات الذاتية•
ولإ كمال الصورة التي يمكن إضافتها فإن غياب الخطة السياسية المتعلقة بالاتصالات الجديدة وتكنولوجيات المعلومات•هو الأكثر جدية بالنظر إلى واقعية المبادرة التي تتخذها السلطة المحلية (مجالس بلدية ـ مناطق ومقاطعات) وذلك لتزويد المواطنين بالخدمات عبر الإنترنيت التي انتشرت على نطاق واسع في السنوات الأخيرة•
فكيف بدأ مجتمع المعلوماتية وعمليات العولمة بالتأثير على قطاع الأرشفة وعلى مهنة القائمين على الأرشفة في إيطاليا؟ لقد أصبح من المألوف في إيطاليا استخدام تكنولوجيا الحاسوب في أرشيفات الدولة وفي بعض الأرشيفات الخاصة والعامة بغية استعادة التوثيق المطلوب لدراسة الأهداف أو أي نوع من التقصي الذي يمكن تنفيذه على المخطوطات و المحفوظات •
إن صفحة الأرشيف في الموقع الذي تستخدمه وزارة الثقافة تفتح نظام الأرشيف الوطني وتقدم ثروة من المعلومات القيمة (يمكن في بعض الأحيان الرجوع إلى سجلات الأرشيف المدونة في الأرشيفات الخاصة) وفي بعض الأحيان يتم استخدام تكنولوجيا المعلوماتية لتخزين الوثائق على شكل أرقام، وبالتالي يصبح ذلك متوفراً ليس فقط في المكان الذي يتم فيه إعادة حفظ المعلومات ولكن في أماكن بعيدة بواساطة الإنترنيت• وبالإضافة إلى ذلك يبدو أن هنالك شيئاً آخر في الأرشيف الإيطالي يمكن المستفيدين من الاطلاع على نشوء مجتمع المعلومات، ولم تبدو التغيرات الكبيرة أنها على وشك الحدوث، كما أنه لا يوجد خطط أو برامج لإِدخال الأرشيف في الحواسيب الإلكترونية على نطاق واسع لتدريب العناصر في الاستخدامات اليومية للحواسيب وشبكاتها •
فالمدارس التي دربت القائمين على أرشيفات الدولة في إيطاليا هي مدارس الأرشيف ولدراسة الكتابة والنقوش والآثار القديمة يقوم عليها بعض من كبار القائمين على أرشيفات الدولة بموجب المرسوم الجمهوري رقم 1409 تاريخ 30 أيلول 1963، وتديره بعض الجامعات•
أخيراً ومنذ عام 1980 باشرت كليات الجامعة بدراسة حفظ التركات الثقافية والتغيرات الجذرية، وهي على وشك الحدوث لحمل هذه المدارس والكليات إلى اتباع المناهج القياسية الأوربية التي تسمح لنا بأن نأمل أن يقدم تدريب هؤلاء للعمل في الأرشيف الإيطالي المعرفة والمهارات نفسها كنظرائهم الأوربيين بالنسبة لاستخدام التقنيات الجديدة وثقافة مجتمع المعلومات وفي هذه الأثناء فإن قطاع المكتبات ومراكزالتوثيق قد تطور بشكل كبير باستخدام تكنولوجيا الحاسوب الإلكتروني وشبكاته، وهنالك عدة كاتالوجات رقمية متوفرة الآن•
أثرت التجارة الإلكترونية سلباً على عالم الكتب والمجلات• فقد أقامت المكتبات و مراكز التوثيق خدمات لتسليم الوثائق وتقديم المقالات والكتب الأدبية عبر الإنترنيت• وبإمكان مراكز التوثيق التي تنفذ الأبحاث المكتبية عبر الانترنيت تقديم الوثائق اللازمة لإنجاز الدراسة المبنية على فن وصف الكتب والمخطوطات والتعريف بها بمطبوعات النشر، وباختصار فإن البحث في المكتبات ومراكز التوثيق قد أصبح أيسر وأسرع في كل الأوقات• والبحث في الأرشيف ما زال يستلزم الوجود الفيزيائي للباحث في الأماكن التي يتم فيها حفظ المخطوطات وثيقة الصلة بالموضوع• ولكن التعرف والتمييز لهذه المخطوطات المطلوبة هي أسرع قليلاً من تلك المستخدمة فيما لو تم استخدام الحاسوب•
وفي المستقبل القريب عندما يتم استخدام الحاسوب الآلي في مناهج التدريب وخدمات التوثيق فإن استخدام الأرشيفات التقليدية سيقل شيئاً فشيئأً، ويكون الخطر بإدخال معايير قياس فعالة للخدمات المقدمة التي يمكنها أن تقنع المشرفين على الإنفاق لقطع نفقات الأرشيف• وبالتالي إنهاء أية إمكانية لتطوير هذا القطاع• فماذا سيكون أثر تطبيق هذا الإجراء الذي هو معيار الشركات والذي بدأ في قطاع الخدمات؟ إن كلفة كل خدمة فردية سيتم تحديدها على أساس كلفة العمل والبنية التحتية• ويتم مقارنة بين الجامعات على أساس قدرة كل منها على تخريج الطلبة على مستوى التأهيل القياسي بأدنى التكاليف، إن الذين أنجزوا هذه الأهداف سيتم مكافأتهم ،وبالتالي سيكونون في وضع يهدف إلى تحسين عملهم على حساب الذين لا يمكنهم الاستجابة لهذه الأهداف وسيكونون مرغمين على ترك السوق والانقطاع عنه• وبالمثل سيتم مقارنة الأرشيفات على أساس قدرتهم على تقديم الخدمات بأسعار تنافسية على المستوى الإيطالي أولاً ثم على المستوى الأوربي•
والذين لا يمكنهم المنافسةسيكونون مرغمين على التوقف• وفي حين يجد العديد هذه الفرضية غير واقعية إطلاقاً، فالتجديد يقلل الكلفة ويزيد من فرص المنافسة الدولية والحوافز بالنسبة لمنتجي السلع ذات النوعية المقبولة بأسعار أقل• وفي المعطيات الإيطالية التالية يتبين وجود 340132 وحدة لعام 1997 بكلفة /56.986/مليار لير إيطالي• فإذا قسمنا القيمة على عدد الوحدات نجد أن كل وحدة تكلف الإدارة نحو 167541 لير إيطالي، وإذا أخذنا النسبة السنوية بالنسبة لوحدة العناصر نحصل على /19/ مليون لير إيطالي، ولذا يجب وصف الواقع بأنه قابل للانخفاض التدريجي• ولهذا فإن مؤسسات الأرشيف الإيطالية تتراوح بين القديم والحديث فضلاً عن تضاؤل عدد الدارسين للغة اللاتينية واقتصار ذلك على بعض الأطروحات التي يسعى الطلبة لإعدادها•
3 ـ مستقبل الحوار بالنسبة لقطاع الأرشيف
إن التبدلات التي أحدثها مجتمع المعلوماتية وعملية العولمة ـ التي عرقلت أو عطلت النظام الاقتصادي ـ بدأت بالتأثير السلبي على أوجه الحياة البشرية المختلفة• فما هو مصير هذه الأرشيفات في المستودعات ؟
تظهر التنبوءات من وجهة نظر الذين يخشون التبدلات وخاصة تلك التي تتطلب الانقطاع التام مع الماضي• بعض السلبيات، على الأقل فيما يتعلق بالمستقبل القريب لنظام الأرشفة في إيطاليا، وعلى كل يجب الاعتراف بأن هذه التنبوءات هي بمنزلة مخاوف وليست مبنية على أسس• وفي الوقت نفسه يجب الإشارة إلى أننا قد دخلنا عصر التبدلات الجذرية، وإن هذا يمكن أن ينظر إليه في الطريق التي ظهرت ونظمت فيه المحفوظات والمخططات بناءً على طلب القائمين على هذه الأرشيفات• إن شيئاً ما يتغير على المستوى الإنتربولوجي (وهو العلم الذي يبحث في أصل الإنسان وتطوره وأعرافه وعاداته ومعتقداته•••)، فحاجة الجنس البشري للمعرفة وطريقة بلوغ معرفة جديدة قد تبدلت على عتبة الألفية الثالثة وهذا سيكون له تأثير كبير على التربية والتعليم والبحث• وكنتيجة لذلك سيكون هناك تغيرات أو تبدلات في المهن و الحرف كالمعلمين والباحثين والقائمين على المؤسسات الأرشيفية•
إن هذه التغيرات ستؤثربالدرجة الأولى على طريقة إيجاد الأشكال الأخرى للإدارة والتوثيق وبالتالي على تشكيل الأرشيف وتصنيفه• إن نشوء علم المعلوماتية وشبكات الاتصال سيؤدي إلى العديد من التبدلات الجذرية وربما سيكون هناك تركيز تدريجي لمراكز خاصة لإنتاج وثائق إدارية، وبالتالي تركيز للمواقع المستخدمة لتخزين الوثائق التي لم يسبق أن استخدمت لأغراض إدارية •
إن مؤسسات الأرشيف المستقبلية يمكن أن تكون مخازن كبيرة تحوي مواد وأجهزة رقمية مع قاعدة ضخمة للمعلومات تؤدي إلى الدخول إلى هذه المخازن واستعادة المحفوظات اللازمة•
وقد قام مديرو الأرشيف في إيطالية حديثاً بتطبيق طريقة لإيجاد أوراق مفهرسة في المستودعات الضخمة مع المحفوظات الورقية مضى عليها العديد من السنين وهي محفوظة على رفوف هذه المستودعات• ولكن خلال بضع سنوات سيبطل عملها في الأسواق، وسيتأثرمستخدمي التوثيق بالتأكيد بالفرص للوصول إلى ما يتطلعون إليه•
الخلاصة :
إن ظهور مجتمع المعلومات وعملية العولمة الاقتصادية يشكلان تحديات كبيرة تعذر على المؤسسات الأرشيفية مواجهتها حتى الآن، فالبحث في المكاتب الكبيرة أو في مراكز التوثيق قد أصبح أكثر سهولةوأسرع منه في الأرشيف• ويمكن لهذه المؤسسات الأرشيفية أن تكون قابلة للمقارنة فيما يتعلق بقدرتها على تقديم الخدمات بأسعار تنافسية، أما تلك التي لا يمكنها أن تكون تنافسية فستضطر إلى إغلاق أبوابها•
ولكـن إذا كـانت أهـداف مجتمع المعلوماتية تشمل التقدم البشري فإن عمل مستودعات الذاكرة (المكتبات والمؤسسات الأرشـيفية) يبقى غير قابل للتبديل بآخـر• لأنه من المستحيل تخيل أو تصور التقدم البشري الذي لم يسبق له أن اسـتخدم المـاضي لخـلق أدوات منهجـية لإدراك الحـاضر•