|
الافتتاحية
العرب و الحوار مع العالم
الدكتور عبد المجيد الرفاعي
لا نبالغ إذ نقول إن أرض العرب هي دار كبرى للحوار والتفاعل بين
الحضارات عبر التاريخ، فمنطقتنا التي شهدت ولادة أقدم وأعرق الحضارات
منذ الفجر الإنساني الأول، عاشت في الوقت نفسه قيم التفاعل الإيجابي
البناء مع جميع الحضارات التي تلتها وتبادلت الأدوار معها، وهذا شيء
طبيعي لأن مفهوم الحضارة يتنافى مع ضيق الأفق والتعصب الأعمى، ولا يمكن
لنا أن نفهم كيف يمكن لبعض الكتاب الحديثين أن يلصقوا مصطلح «صراع» إلى
جانب مصطلح «الحضارات»، فالدول والسياسات والإدارات قد تتعارض وتتصارع
فيما بينها، أما الحضارة بما تتضمنه من ثقافة وعلم وأدب وفن ودين
وطموحات روحية راقية فهي لا تتصارع بل تتفاعل وتتكامل مع غيرها. ولا
يمكن أن نجد تفسيراً لإطلاق مصطلح «صراع الحضارات» وانتشاره الواسع
السريع إلا إذا أرجعناه إلى ضرورات سياسية استراتيجية تتوخى نشر هذا
المفهوم لأغراض مبيتة .
ففي البلدان العربية نشأت ونمت العلوم والفنون والآداب المتنوعة في
مراكز حضارية متنوعة ومتفاعلة، انتهت جميعها بالانصهار في بوتقة
الثقافة العربية التي ورثت خصائص هذه الحضارات جميعها : في بلاد
الرافدين ووادي النيل والجزيرة العربية وبلاد الشام والمغرب العربي،
ومن هنا انطلقت أقدم الأساطير والعلوم والملاحم الأدبية والشعرية التي
سادت العالم القديم ووسمته بطابعها المميز .
وعلى الرغم من ذلك كله يريد بعض الكتاب الغربيين إقامة سد وجدار فاصل
بين الحضارة الغربية والشرق، مدعين أنه لا يمكن للشرق والغرب أن
يلتقيا، وأن جذور الحضارة الغربية تعود إلى أثينا وروما وإلى الثقافة
المسيحية ـ اليهودية فقط، دون أي ذكر لأي إسهام للحضارات العربية
القديمة، متناسين أنه لا يمكن لأوربا والغرب عموماً أن يتناسى جذور هذه
الثقافة والحضارة التي تذهب أبعد من ذلك بكثير، فلا يمكن للأوربيين أن
ينسوا أن اسم قارتهم جاء من أسطورة يونانية تروي أن زيوس كبير آلهة
الأولمب أحب ابنة ملك صور أغينور فظهر لها على شكل ثور زاهي الألوان،
فلما أعجبها وامتطته عبر بها البحر المتوسط باتجاه كريت، ولما كان اسم
الأميرة السورية أوربا، فقد أطلق هذا الاسم على القارة التي توجه نحوها
زيوس، ولما علم الملك أغينور بما حدث أمر أخوتها بالبحث عن شقيقتهم وأن
لا يعودوا مالم يجدوها، فكان نصيب قدموس أن توجه إلى بلاد اليونان مع
فريق من الفينيقيين، وأثناء بحثهم عن الأميرة أوربا نقلوا إلى
اليونانيين علوماً ومهارات عديدة أهمها الأبجدية التي أصبحت فيما بعد
أصل الأبجديات الأوربية جميعها، وقد أسس قدموس معابد للآلهة الفينيقية
كآلهة الحب عشتار التي تحولت إلى أفروديت، وأسس مدناً مثل مدينة طيبة،
وخلف وراءه قوماً أسماهم هوميروس في الإلياذة بالقدامسة أو القدموسيين
.
وليست الأسطورة خيال بحت بل هي تسجل وقائع تاريخية مرت عبر ذاكرة أجيال
عديدة، فأضافت هذه الأجيال جوانب من الخيال أضفت على الوقائع الجافة
جمالاً وألقاً يقربها من القلب والروح، وينعش النفس الإنسانية التائقة
دوماً إلى الكمال والسلام والصداقة، وأسطورة قدموس تدل على الروابط
القديمة التي ربطت الساحل السوري بالشواطئ اليونانية، وربطت عمق هذين
الساحلين ببعضهما، ومن هنا نستطيع أن نقول أن العلاقة بين العرب وأوربا
تعود إلى فترة بعيدة لا تقل عن الألف الثاني قبل الميلاد .
فكيف يمكن لقارة أخذت اسمها من اسم أميرة فينيقية سورية وتكتب وتتفاهم
بأبجديات تعود أصولها إلى الأبجدية الأوغاريتية السورية، وتنجز
حساباتها ومعاملاتها التجارية والاقتصادية بأرقام اسمها الأرقام
العربية، وتقيس الوقت والزوايا الهندسية باستخدام نظام قديم ابتكره
البابليون كيف يمكن لهذه القارة أن تنكر صلتها بل والجذر الحقيقي
لحضارتها المنطلق من المنطقة العربية .
أما بالنسبة للثقافة المسيحية واليهودية، فهل يمكن لأحد أن ينكر أن هذه
الثقافة ولدت ونشأت وترعرعت في بيئة الحضارات العربية القديمة، أولم
يكن المسيح يتكلم باللغة الآرامية السريانية ؟
وهي اللغة التي مازالت سائدة وحية في بعض القرى السورية ؟
أو لم تحمل بلدان المنطقة العربية رسالة المسيح ونشرتها في العالم ؟
أو لم تكن أول بطريركية أسسها بطرس في أنطاكية على الساحل السوري،
وبقيت هذه البطريركية المرجع الأهم للكنائس المسيحية حتى القرن الخامس
الميلادي ؟ وأين آمن بولص بالمسيحية ؟ أليس في دمشق ظهر له السيد
المسيح وهناك آمن على يد الأسقف حنانيا ؟ ليتابع بعد ذلك رسالة بطرس
ويستشهد في روما عام 68 م ؟
وهنا نتذكر حادثة ذات دلالة فقد حضر أحد الباحثين العرب (وهو مسيحي)
ندوة في الولايات المتحدة، وأشار في مداخلته إلى ضرورة إطلاع الغربيين
على آداب الشرق ولغاته، فما كان من أحد الحاضرين إلا أن رد عليه قائلاً
: «طالما أن اللغة الإنكليزية كانت تكفي المسيح فهي تكفيني»، والمفارقة
أنه لم يدرك أن محدثه مسيحي مثله، والحقيقة أن السيد المسيح الذي كان
يتحدث الآرامية ـ السريانية، لم يسمع باللغة الإنكليزية لأنها لم تكن
قد تشكلت بعد في القرن الأول الميلادي، ومن هنا نرى أن الصورة النمطية
السلبية عن العرب والشرق عموماً ناتجة عن نقص في المعلومات إن لم نقل
جهل الغربيين بشؤون الشرق العربي .
وبالنسبة للثقافة اليهودية التوراتية، هل يستطيع أحد أن ينكر أن
إبراهيم الجد المشترك للعرب واليهود كان آرامياً ؟ وهل يستطيع أحد أن
يتجاهل ذلك العدد الهائل من التفاصيل المتشابهة بين فصول التوراة
والملاحم الشعرية والقصص الدينية التي كانت سائدة في بلاد الرافدين
ووادي النيل وبلاد الشام؟
لقد أنشأ الأوربيون علماً متخصصاً بنشوء وتشكل التوراة، وهم اليوم لا
يتحدثون عن هذه التفاصيل المتشابهة لأنهم أشبعوها بحثاً وصارت من
البديهيات .
ونحن لا ننكر وجود مفكرين غربيين موضوعيين ومتحررين من أي تعصب أو ضيق
أفق، ونذكر على سبيل المثال قول المفكر الفرنسي ستاندال: «إن دين
المسيح هو دين الفلاسفة العرب معاصريه» كما يقول المفكر الفرنسي بيير
روسي:
«إنه لمن غير المنطقي أن يفرض علماء الغرب الموسوعيين عن طريق فكرهم
العلمي، ميثيولوجيا مؤسسة على الأساطير التوراتية، أو على مخطوطات
مزعومة، إغريقية أو رومانية مكتوبة (من كتبها؟) بعد قرون عديدة من
الحوادث التي رووها بالتفصيل» .
«وإنها لمرفوضة نظرية عرقية اللغات التي اخترعوها، مقسمين العالم
تعسفاً، إلى ساميين وآريين، أي إلى شعوب لم يستطيع أي تحليل علمي أن
يثبت وجودها.»
«إنها روح استعمار أبوي تحاول فرض نفسها، تلك هي الأفكار الرئيسية التي
جعلت جياد الباحثين الأوربيين تتجه، بحجة العلم، نحو كتابة التاريخ» .
«ومن الواضح أن الشرق العربي بكل ثرواته الميتافيزيكية، وبمعرفته
وقدرته، سيطور في الأفق حضارته الواسعة المنيرة، وسيغدو من المؤكد أن
الإسلام، الذي جمع من قبل في نفسه منابع التوحيد الأولى، ممثلاً بجماع
ما فيه، ثقافات النيل وفلسطين وفارس، وهذين النهرين الرافدين...إن
الإسلام قد جعل من اللغة العربية، لغة التعبير العالية التي لا مثيل
لها، لغة إنسانية قوية في دوامها واستمرارها» .
وأخيراً، لا بد أن نؤكد أن تاريخ منطقتنا العربية مليء بالشواهد
والإشارات والبراهين على روح التسامح والحوار بدءاً من آيات القرآن
الكريم «لا إكراه في الدين» ومن وصايا الخليفة الأول أبو بكر التي توصي
الفاتحين العرب خيراً بالبلاد التي يفتحوها، ومن العهدة العمرية التي
أعطاها الخليفة الثاني عمر لأهل القدس بأنهم آمنون على أنفسهم وأموالهم
وكنائسهم وعباداتهم، كما أن عمراً رفض الصلاة في كنيسة القيامة كيلا
يحولها المسلمون من بعده إلى مسجد، أما في حمص فقد أعطى الخليفة عمر
عهدة لدير مارجرجس يؤكد فيها على حماية الصومعات والكنائس وعدم التعدي
على أملاكها وعلى التآخي بين المسلمين والمسيحيين، ويعفي الدير من أية
ضرائب ومكوس، وأخيراً نجد أن العرب في الأندلس منحوا العالم أفضل نموذج
لم يتكرر حتى الآن للتعايش الإيجابي الخلاق بين المسلمين والمسيحيين
واليهود، حيث ظهر في بلاد الأندلس أعظم المفكرين العرب والمسلمين مثل
ابن رشد و ابن عربي و ابن طفيل ، بل وأعظم مفكر يهودي في تلك العصور
وهو موسى بن ميمون، ونعتقد أن نموذج الأندلس كان سائداً في عدد كبير من
البلدان العربية حيث كان المسلمون والمسيحيون واليهود يعيشون معاً،
وهذا ما نجده حتى اليوم في البلدان العربية، بينما لا يصعب على أحد أن
يلاحظ أن التركيب الديني ـ القومي لكل بلد أوربي يكاد يكون صافياً ليس
فقط من ناحية الدين بل وحتى بالنسبة للطائفة الدينية، فالبلد إما أن
يكون أرثوذوكسياً بالكامل أو كاثولوكياً بالكامل أو بروتستانتياً
بالكامل ولا توجد حالة تداخل بين هذه الطوائف، أما دولة إسرائيل فهي
تكافح من أجل أحادية الدين، وتعيش خوفاً كابوسياً من أن تصبح إسرائيل
متعددة الأديان .
وعلينا أن نعترف أنه على الرغم من تراثنا الغني بتقاليد الحوار
والتسامح، فإن أصواتاً عربية وإسلامية تجاهلت مؤخراً ما تركه لنا السلف
الصالح، ربما بسبب ردة الفعل على الاستهانة الغربية وربما بسبب تراكم
التخلف، وأخذت هذه الأصوات تنشر نظرة متعصبة أحادية ضيقة الأفق للإسلام
والعروبة، تتنافى مع كل ما ورثناه في تاريخنا، وهنا لابد لنا أن نعيد
النظر في هذه الطروحات، ونوضح مدى ضررها بطرق تفكيرنا، وبآفاق تطور
بلادنا في المستقبل .
لذلك يولي النادي العربي للمعلومات مسألة الحوار مع العالم اهتمامه
الأول والأهم، لأنه يعتقد أنه الطريق الأفضل أمام العرب لدحض أكاذيب
وافتراءات أعداء العرب، ولتغيير الصورة النمطية عن الإنسان العربي،
التي تسبب بها الجهل وضيق الأفق وسوء الفهم بين ضفتي الشرق والغرب .
إننا نعلم أننا أمام مهمة شاقة تراكمت عليها تلال من المعلومات الخاطئة
عبر قرون عديدة، إلا أننا نأمل بإزالة الصورة الملتبسة للغربيين عن
العرب، ونأمل بإزالة الاتجاهات الخاطئة بين بعض العرب التي تدعو إلى
التعصب وضيق الأفق.
إن النادي العربي للمعلومات اليوم إذ يسعى إلى المساهمة في تفعيل
الحوار بين الحضارات، وخاصة بين الحضارات الأوربية و الحضارة العربية
الإسلامية، فإنه سيعمل إلى تحويل طموحه هذا من مجرد أمنية إلى واقع
ملموس عبر فعاليات ونشاطات عديدة يرعاها النادي العربي للمعلومات.
|