إصدارات النادي

  الرُقم الطينية
أقدم وثيقة في التاريخ
غادة سعيد سمير
المستخلص


دون الإنسان منذ القدم حياته على رُقم طينية، وحفظتها عوامل الزمن لتصل إلينا كأقدم الوثائق التاريخية التي تشكل إرثاً حضارياً هاماً•• وقد وُجدت هذه الألواح في أماكن حفظها في القصور ضمن تصنيف معين ساعدت المنقبين الأثريين والباحثين على تمييز نوعية هذه الرُقم، فمنها يؤرخ لمرحلة ما، ومنها مايعد وثائق اقتصادية،ومنها مايخص بالزراعة والسقاية والتعليم وغير ذلك••
يعد الرُقيم أقدم وثيقة في التاريخ، والرُقيم هو لوح طيني يتم تدوين الوثائق عليه بوساطة النحت، ولدينا في سورية إرث هائل من الرُقم التي تم اكتشافها في ممالك عدة مثل إيبلا وماري، وهي ممالك سادت ثم بادت لكنها خلفت لنا أرشيفاً هائلاً من الوثائق التي لم يستطع الزمن أن يمحوها حيث إنها ألواح طينية كانت بمنزلة الورق الذي يتم تدوين الوثائق عليه بحيث لا يمكن محوها أبداً•
عاشت الحضارة الإيبلائية في سورية في الألف الثالث قبل الميلاد في تل مرديخ في محافظة إدلب• وإيبلا مملكة ضخمة خلفت لنا سجلات يزيد عددها على ستة عشر ألف رقيم مكتوبة بكتابة مسمارية تحكي قصة هذه المملكة وأحداث عصرها، في عام 4791 تم العثور على أولى مخلفات الحضارة الإيبلائية وهي عبارة عن اثنين وأربعين سجلاً وثائقياً ملكياً، أثار العثور عليها ضجة عالمية كبيرة على الصعيدين العلمي والصحفي• وفي عام 1976 تم العثور على كنز أكبر قيمة من الذهب والفضة وأكثر فائدة، إنه السجلات الملكية المكتوبة بكتابة مسمارية•
وهكذا توصل المؤرخون إلى رسول صادق أمين يحدثهم عما كان يجري منذ خمسة آلاف سنة على أرض الشرق القديم• وقد عثر على هذه السجلات في القصر الملكي في صالتين أولاهما كانت مخصصة لديوان السجل، وهي الصالة رقم (ل 9672)• فقد أكبر عدد منها حيث قارب عدد ما جمع نحو أربعة عشر ألف رقيم حفظت على رفوف خشبية متتالية من أسفل إلى أعلى تبعاً لثقلها وحجمها ورتبت تبعاً لموضوعاتها• أما الصالة الثانية فهي (ل 2172) فقد عثر فيها على نحو ألف لوح وهي ذات ملامح زراعية، وكانت عبارة عن مخزن وتقع خارج القسم الإداري للقصر• كما وعثر على نحو أربعمئة لوح ذات ملامح اقتصادية وتاريخية وإدارية وجدت في بهو القصر• ونحو خمسمئة لوحة أخرى وجدت في القسم الشرقي من الجناح الإداري للقصر، وهي ذات ملامح اقتصادية، كما وجد عشرون لوحاً في ساحة القصر كانت حتماً قيد الكتابة عندما هدم إذ يبدو جلياً أن القصر قد أحرق على حين غرة، فملك إيبلا لم يكن يتوقع الهزيمة أمام مهاجميه، وكان لهذا الأمر نتائج سلبية فقد فقدت أجمل تحف وآثار القصر التي سرقت قبل إحراقه، وكان له نتائج إيجابية تتمثل في كون الحرق قد حفظ نصوص الرقم من البلى وحافظ على تماسكها•
لقد تناولت هذه الوثائق كل مجريات الحياة اليومية في القصر الملكي الذي تعاقب على حكمه ستة ملوك من سلالة واحدة دام حكمها ثلاثة قرون، وسجلت عدة انتصارات وأمجاد•
تنقسم الوثائق الإيبلائية إلى عدة أنواع وفق موضوعاتها، أولاها تاريخية سياسية كالنص (TM 75G.2231) الذي هو عبارة عن نص مدرسي يحتوي على 982 اسماً جغرافياً قام بترجمته البروفسور بيغز Biggs وتتميز الوثيقة الإيبلائية بكمالها وبكونها أطلساً ممتازاً لمنطقة الشرق القديم في ذلك العصر، وبكونها مدونة بكتابة مسمارية مقطعية سهلة القراءة إذا ما قورنت مع غيرها من اللغات القديمة•
وتظهر هذه الوثائق العلاقات السياسـية ـ الإيبلائية التي كانت ذات أنماط متعددة، منها علاقات مع مـدن وممالك خاضعـة لسـيطرة إيبلا المباشـرة وقد جاوز عددها السبع عشرة، وأخرى ممالك خاضعـة لسيطرة إيبلا غير المباشرة تقدم الجزية السنويـة، ويكون جيشها على استعداد دائـم لخدمـة التاج الإيبلائي، وثالثها ممالك صديقة تربطها مع إيبلا معـاهدات دفـاع مشترك•
أما النوع الثاني من الوثائق فهي الوثائق الاقتصادية كالنص (TM 756,159) الذي يتحدث عن مبادلات إيبلا التجارية الواسعة، وقد ورد فيه ذكر لثمانٍ وسبعين مدينة كانت إيبلا قد صدرت لها مواد تجارية واستوردت منها، وأكثر هذه المدن غير معروف لنا حالياً وما عرف منها يدل على سعة العلاقات التجارية الإيبلائية في عالم الشرق القديم•
ومن المدونات المهمة التي حوتها الوثائق، المدونات المدرسية التي كانت بمنزلة وثائق لطلاب سيفدون موظفين في الدولة، لذا حرصت الدولة على ثقافتهم ونوعية معلوماتهم والاحتفاظ بمدوناتهم ممهورة بأسمائهم وأسماء معلميهم وحتى أسماء مدارسهم• ومن الجدير ذكره أن هذه الوثائق مهمة جداً لمعرفة المعلومات التي كانت تقدم للطالب الإيبلائي، والتي هي بالتالي خلاصة علوم عصره وحضارته•
وضمت الوثائق الملكية مدونات أخرى منها ما يختص بعقود الملكية الزراعية والسقاية المائية• وتعد هذه الوثائق المصادر الوحيدة والمصادر التاريخية المباشرة عن أقدم مجتمع زراعي منظم في تاريخنا العربي وفي العالم عامة•
تدل هذه الوثائق على أن الملوك هم المالكون بالدرجة الأولى للأرض وإنتاجها، وهم الذين يشرفون على توزيع الإنتاج أو بيعه، وتحفل الوثائق بعقود البيع والشراء للأراضي والمنتجات لحساب أفراد عاديين• ولذا نستدل على أن طابع الملكية هو الملكية الفردية، ولكن حصة الملك وحاشيته هو الأكبر، وتدل الوثائق كذلك على أن الدولة أو القصر هو المشرف على المشروعات العامة وتنظيم الزراعة أو السقاية•
وضمت الوثائق نصوصاً دينية وأسطورية إضافة إلى المدونات الإدارية اليومية• السجلات الإيبلائية سهلة من حيث مضمونها لكن فترة تدوينها تعود إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد وهكذا نجد أن هذه السجلات وثائق تاريخية قديمة تعكس لنا صورة العصر الغابر الذي كتبت فيه بكل تفاصيلها ودقائقها•
المراجع:
- Ebla, a Kingdom rediscorend, Paulo Maiteo.
ـ مجلة دراسات تاريخية العدد 44 /أيلول/ 2991•
ـ مجلة دراسات تاريخية العدد 12 /آذار/ 6891•
ـ مجلة دراسات تاريخية العدد 72/أيلول/7891•