إصدارات النادي

  الوثائـق العربية وخـدمة المجـتمع
د• سليمان بن صالح العقلا ü
المستخلص
يبحث علم الوثائق في الوثائق المكتوبة،والوثيقة المكتوبة هي الوثيقة المصدق عليها من جهة رسمية،أو إذا كانت صادرة من فرد فلا بد أن يكون موقعاً عليها•
إن تجميع الوثائق العربية وتحقيقها ونشرها علمياً يساعد على نمو الروح العربية وحل بعض المشكلات الحدودية التي بين بعض الدول العربية ومعرفة التاريخ الحقيقي لها،وذلك لأن الأمة العربية في هذه المرحلة التي تمر بها تبدي اهتماماً كبيراً وبالغ الأهمية بتاريخها الماضي تلتمس منه أسباب جديدة لوحدة الصف العربي، وهذا ما يحتم على الفكر العربي وجوب الاهتمام بدراسة الوثائق العربية والعناية بها•
أولاً ـ تاريخ الوثائق العربية
1ـ الوثائق العربية قبل الإسلام:
كان للعرب قبل الإسلام حضارات مزدهرة في مناطق متفرقة، ولقد تركت لنا الأمم التي قامت في تلك المناطق آثاراً لا تزال قائمة إلى وقتنا الحاضر، وربما كانت النقوش والكتابات وطراز البناء التي ماتزال قائمة في بعض تلك المناطق خير شاهد على ذلك•
وقد وردتنا بعض الوثائق المتعلقة بالأحلاف والعهود التي قامت بين القبائل العربية - في وسط الجزيرة العربية- وأطرافها ،إلا أنها كانت محدودة• وتشير المصادر إلى أن العرب قد التزموا بالوثائق المكتوبة واحترموا بنودها وعلقوها في الكعبة• ومن الوثائق المشهورة التي ذكرها مصطفى الموسوي في كتابه الوثائق وثيقة حلف الفضول، حيث وثق هذا الحلف في دار عبد الله بن جدعان واتفق فيه زعماء قريش على نصرة المظلوم وإغاثة الملهوف دون النظر إلى قبيلته ولا إلى نسبه•
ومن الوثائق المهمة في تلك الفترة أيضاً الوثيقة التي كتبتها قريش لمقاطعة بني هاشم ماداموا ينصرون محمد [ وعلقوا هذه الوثيقة في الكعبة واستمر بقاؤها لمدة ثلاث سنوات•
2 ـ وثائق العهد النبوي والخلافة الراشدة:
يعد العهد النبوي وعهد الخلفاء الراشدين عهداً ذا نتائج هامة في تاريخ العالم الإسلامي، لذلك كان من الضروري جمع الوثائق المتعلقة بهذا العصر حتى يتسنى فهمه فهماً صحيحاً، وإذا كانت أصول أكثر الوثائق قد ضاعت، فقد حفظ رواة الحديث والمؤرخون جملة صالحة منها في بطون كتبهم وذكر برجس في كتابه علم تحقيق الوثائق أنه قد أمكن الوصول إلى أصل اثنتين أو ثلاث من تلك الوثائق، أولها كتب النبي [ إلى المقوقس الذي وجده المستشرق الفرنسي بارتيلمي في كنيسة قرب أخميم في مصر، والثاني كتاب النبي [ إلى المنذر بن ساوي الذي نشر صورته المستشرق الألماني فلايشر، والثالث كتاب النبي [ إلى النجاشي ملك الحبشة•
مختارات من وثائق عصر النبوة الشريفة:
لا يمكن أن نقول أن الرواية الشفوية هي وحدها التي اعُتمد عليها في أوائل الإسلام كما وضحنا سابقاً من وجود بعض الوثائق، إذ إن المسلمين قد أمروا أن يكتبوا ويستشهدوا• وقد كتب النبي [ المعاهدات والمحالفات مع القبائل والملوك، ونذكر منها على سبيل المثال•
2ـ1 وثيقة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار: لعل أقدم وثيقة في عهد الرسول [ والتي ذكرها مصطفى الموسوي في كتاب الوثائق هي الوثيقة التي آخى فيها بين المهاجرين والأنصار وقد جاء فيها: "هذا كتاب من محمد النبي الأمي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم ولحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس المهاجرون وقريش على ربعتهم•• إلخ"•
يستفاد من تلك الوثيقة بأن أساس العلاقة الدولية، العدالة، ولذلك التزم الرسول [ على نفسه بالعدالة وألزم الطرف الآخر بها• وهذا ما يفسر لنا العلاقات الدولية والاجتماعية وفق وجهة النظر الإسلامية أنها يجب أن تقوم على أساس المساواة لا على أساس الغلبة والسيطرة•
2ـ2 صلح الحديبية: كـان صلح الحديبية فتحاً للقلوب، ومن مكاسب هذا الصلح اعـتراف قريش بمكانـة المسلمين، وتسليمها لهم، ونص هـذا الصلح " باسمـك اللهم• هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهل بن عمرو واصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس بعضهم عن بعض"، أشار إلى ذلك محمود حمودة في كتابه المدخـل إلى دراسة الوثـائق•
وقد اصطلح الفريقان على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهن الناس، ويكف بعضهم عن بعض،وعلى أنه من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد، لم يرده عليه، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه•
2ـ3 دعوة الملوك والأمراء إلى الإسلام: لما تم الصلح وهدأت الأحوال، وجدت الدعوة الإسلامية متنفساً ومجالاً للتقدم• فكتب رسول الله [ كتاباً إلى ملوك العالم وأمراء العرب، يدعوهم فيها إلى الإسلام وإلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، واختار لكل واحد منهم رسولاً يليق به، ويعرف لغته وبلاده• وقيل له إنهم لا يقبلون كتاباً إلا بخاتم فصاغ رسول الله [ خاتماً حلقته فضة ونقش فيه "محمد رسول الله"• وقد ذكر محمود حمودة في كتابه المدخل إلى دراسة الوثائق العربية أن رسول الله [ قد أرسل كتاباً إلى هرقل عظيم الروم يدعوه فيه إلى الإسلام حتى ينال وشعبه فضل الله، وإن أبى ورفض فعليه غضب الله وإثمه، كما أرسل [ كتاباً إلى النجاشي ملك الحبشة يشهد فيه أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم البتول الحصينة ويدعوه فيه إلى الإسلام، فرد عليه النجاشي بأنه قد بايعه وأسلم لله رب العالمين، كما أرسل [ كتاباً إلى المنذر بن ساوي أمير البحرين يدعوه فيه إلى الإسلام، فرد عليه المنذر بأنه قرأ الكتاب على أهل البحرين فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه ودخل فيه ومنهم من كرهه، وأن بأرضه مجوس ويهود فأحدث في ذلك أمرك•
وأشار برجس عزام في كتاب علم تحقيق الوثائق إلى أن الخلفاء الراشدين كان لديهم مجموعة كبيرة من العهود والمواثيق حتى إن عمر رضي الله عنه كان عنده ملء صندوق ولكنها احترقت عندما احترق الديوان يوم الجماجم سنة 282 هجرية، والذي بقي بعد ذلك قضت عليه صروف الزمن وغارة التتار•
وذكر محمود عباس حمودة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قد أرسل كتاباً إلى أهل اليمن يدعوهم فيه إلى جهاد الروم مع المسلمين، كما أرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتاباً إلى أبي موسى الأشعري عن القضاء وأسسه، كما أرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه كتاباً إلى عامله في نجران الوليد بن عقبة يطلب منه حسن معاملة الأسقف والالتزام بالعهد السابق معهم•
3 ــ وثائق عصر الدولة الأموية:
إن أغلب الوثائق في العصر الأموي تنحصر في الوثائق السياسية والإدارية، وذات طابع سياسي أكثر من طابعها الديني الذي كان مسيطراً في عهد الخلفاء الراشدين•
توجد أنواع مختلفة من الوثائق الأموية فمنها الخطب والرسائل والعهود والمواثيق والوصايا والحوار والمناظرات، ومما تجدر الإشارة إليه بصدد الوثائق الأموية أن أغلبها جاء ذكرها في كتب الأدب والتاريخ وغيرها، ومن الوثائق المهمة لهذا العصر تلك التي تعود إلى فترة عبد الله بن الزبير والحجاج بن يوسف الثقفي، والتي لها أهمية بالغة في دراسـة الأدب العربي والتـاريخ العـربي الإسلامي، كما أشار إلى ذلك مصطفى الموسـوي في كـتابه الوثـائق•
4 ــ وثائق عصر الدولة العباسية:
يعد العصر العباسي الأول الذي يبدأ بأبي العباس السفاح وينتهي بالمتوكل على الله امتداداً للعصر الأموي وتطوراً له، ذلك أن النماذج التي كانت سائدة في العصر الأموي ظلت هي نفسها سائدة في العصر العباسي• ولكن الصورة تغيرت بعد الخليفة المنصور، فقد أهملت الخطابة وأصبحت خطاباتهم دينية لا تختلف عن خطب أئمة المساجد، وفي عصر المعتصم ومن أتى بعده لا نجد خطيباً واحداً من الخلفاء أو الولاة• وهذا الوضع الطبيعي، وذلك لأن أغلب أنصار العباسيين في تلك الفترة كانوا أعاجم لا تؤثر فيهم الفصاحة والبلاغة، وكان هم العباسيين الأول التركيز على الدين كونه الدعامة الكبرى لهم ولحقهم في الخلافة• ومجملاً فإن عصر الدولة العباسية يعد عصر النهضة والتدوين والحضارة الإسلامية الزاهية والزاهرة، لما قاموا به من أعمال عمرانية، ثم سياستهم الخارجية نحو أعدائهم وأصدقائهم من البلاد المحيطة بهم•
إن التاريخ حافل بوثائق هذا العصر ولا سيما التي تتعلق بالخليفة العباسي هارون الرشيد الذي عهد للأمين والمأمون بالخلافة بعده، وقد أمر أن تعلق في أستار الكعبة لتكتسب بذلك قوة كبيرة بعد أن أشهد عليها جماعة من وزرائه وقوادهم وكتّابه وغيرهم، كما ذكر ذلك مصطفى الموسوي في كتابه الوثائق•
5 ــ وثائق عصر الدولة العثمانية:
استمر الحكم العثماني للوطن العربي زهاء أربعة قرون، وكانت جميع الأقطار العربية خاضعة لذلك الحكم، إلا أنها متفاوتة في درجة الخضوع، لذلك وجد لهذه الفترة وثائق كثيرة جداً، ومن بينها بعض الوثائق الهامة التي تحدد الحدود بين الدول العربية، والتي لها أثر كبير في تحديد العلاقات بين الدول في هذه الفترة•
5ـ1 الوثائق المصرية: إن الوثائق العثمانية الموجودة حالياً في مصر معظمها تعود إلى فترة محمد علي باشا والي مصر وما بعده، أما فترة ما قبل ذلك فهي قليلة ومعظمها موجود في استنبول وأكثر الوثائق الهامة موجودة في الأديرة المصرية مثل دير سانت كاترين في طور سيناء، ويحتوي هذا الدير على 1742 وثيقة تاريخية•
5ـ2 وثائق سورية ولبنان وفلسطين: تم العثور على حوالي أربعة آلاف وثيقة رسمية تتعلق بتاريخ سورية في فترة محمد علي باشا وقد نشرت من قبل الدكتور أسد رستم في عدة أجزاء•
5ـ3 الوثائق التركية المتعلقة بالوطن العربي في تركيا: تعد الأستانة وهي عاصمة الإمبراطورية العثمانية سابقاً المستودع الأول للوثائق التركية المتعلقة بالوطن العربي، وقد نقلت بعض الوثائق إلى مراكز الوثائق التركية الأخرى في العصور الحديثة، لذلك يجب على كل مؤرخ أو باحث في تاريخ الوطن العربي الرجوع إلى تلك الأصول•
5ـ4 وثائق الخليج العربي: ذكر برجس عزام في كتابه علم تحقيق الوثائق، أن سجلات وزارة الهند في لندن تحتوي على وثائق عربية فريدة لها علاقة بأقطار الخليج العربي، وتعد تلك الوثائق مصادر تاريخية هامة لمنطقة الخليج لفترة تقدر بثلاثة قرون، وكذلك في دار السجلات الحكومية في مدينة بومباي الهندية فإننا نجد وثائق متنوعة لها علاقة بالعراق والخليج العربي والجزيرة العربية، كما ذكر فهد إبراهيم العسكر في كتابه التوثيق الإداري أن دارة الملك عبد العزيز في السعودية تحتوي على وثائق تركية مصورة تقدر بأربعة آلاف وثيقة تتصل بتاريخ الجزيرة العربية وبعض الدول المحيطة بها•
ثانياً ـ الوثائق العربية وخدمة المجتمع: من المعروف أن هناك بعض الدول قد قطعت شوطاً من التقدم في إقامة مراكز المعلومات الوثائقية والاهتمام بها، إلا أنه يوجد أيضاً بعض أمناء الوثائق والسجلات يميلون إلى الشعور بالأسى والأسف لأن من يتولون الإشراف على الاقتصاد وترشيد الإنفاق لا يرون أنه من الضروري وضع البرامج أو الأهداف الوثائقية موضع الصدارة على ما عداها من سائر الأهداف•
وعلى الرغم من ذلك، فإن المجتمع ينظر إلى مركز الوثائق على أنه أحد مؤسساته الثقافية شأنه في ذلك شأن المتاحف والمكتبات، ويعد البحث فيه من الضروريات الهامة والحيوية للمجتمع، فهو ضروري لتخطيطه ولوحداته الحكومية في ظل المستجدات من الأوضاع والأحوال الحديثة•
إن نشر الوعي التاريخي والاهتمام بسيرة الأسلاف والأجداد والتجارب الماضية يعد ضرورياً وحيوياً لسلامة وصحة المجتمعات الحديثة التي طغت عليها الأبنية العصرية، وغلبت عليها الأجهزة التي خرجت إلى حيز الوجود في أواخر القرن العشرين• وتناط مراكز المعلومات الوثائقية بواجبات لا سبيل إلى التغاضي عنها في هذا الصدد، ولا ينبغي على تلك المراكز أن تقلل من شأن أو تتجاهل وقفتها الضرورية مع المؤسسات والأجهزة الأخرى المخصصة للمعلومات والإعلام والإسناد المرجعي والتعليم•
ذكر مصطفى أبو شعيشع في مقالته بعنوان مؤسسات المعلومات•• والمنشورة في مجلة الاتجاهات الحديثة في المكتبات والمعلومات العدد الأول عام 1994م بأن مراكز الوثائق الوطنية في الدول العربية أو الدول النامية عامة تشكل جزءاً من أربعة مؤسسات متداخلة والمؤسسات الثلاث الأخرى هي :المكتبة الوطنية والمتحف الوطني ومركز الوثائق الوطني• ولكل منها طابع فردي مميز لها، وبرنامج للخدمة والتوسع، وللمكتبة الوطنية جانبان متعارضان معها ـ شأنها في ذلك شأن مركز الوثائق ـ ألا وهي جانب البحث/ الإسناد، والجانب الآخر هو الجانب الترفيهي العام، كما أنه من المرجح أن تنفرد بخطة خاصة للخدمات الإقليمية أو الفرعية• كما أنها ترتبط بالكثير من الأجهزة الأخرى: الأجهزة الحكومية، الجامعات والمؤسسات التعليمية، وهلم جرا• وبالمثل فإن المتحف الوطني يقيم صلات وعلاقات العمل مع الأجهزة الأخرى وينظم البرامج اللازمة: مؤسسات الخدمات التخصصية والفروع الإقليمية، ومؤسسات الخدمات التعليمية، ويتصل مركز التوثيق الوطني ويرتبط بالأجهزة الحكومية، والجامعات والمؤسسات التعليمية، وأجهزة البحث والصناعة• وبين كل تلك المؤسسات يتخذ مركز الوثائق موقعه المناسب والصحيح تماماً ليمارس دوره الفعال والنشط في إدارة وتجميع سجلات ومحفوظات الأجهزة الحكومية وترويج استخدامها فيما بين الجامعات، والأجهزة التعليمية، ومعاهد البحوث، وفيما بين جمهور المستفيدين•
ثالثاًـ تدني مرتبة مراكز الوثائق في الدول العربية:
هناك العديد من الأسباب الرئيسة لوضع المؤسسات والأجهزة الوثائقية في مركز متقدم من الصدارة والأسبقية في الدول العربية• وفيما يلي نورد بعض تلك الأسباب على سبيل المثال لا الحصر:
1 ـ الحاجة الملحة والعاجلة للتنمية الاقتصادية تأخذ مركز الصدارة والأسبقية على ما عداها من الاهتمامات أو المشاغل الاقتصادية الأخرى•
2ـ الحاجة ذات العلاقة بتحسين المستويات والأوضاع المعيشية التي تعطى الأولوية والصدارة للتنمية الاقتصادية، وما يتصل بها من فرص للتوظيف والعمل، والمستشفيات، والإسكان، والنقل والرعاية الاجتماعية•
3 ـ إن توحيد العناصر العرفية والدينية والاجتماعية والثقافية المتعددة والمتنوعة يعد من الأمور الهامة والجوهرية لتحقيق التماسك وتنمية الشعور بالشخصية العربية والإحساس بالهدف الموحد•
4 ـ إن الافتقار إلى الدعم المالي من جانب الأفراد والمجموعات والجمعيات العلمية يعد من العوامل المثبطة لدفع عجلة تلك المراكز•
5 ـ إن القصور في المتدربين من أفراد مراكز الوثائق يعد عاملاً هاماً في تدني مراكز الوثائق•
6ـ إن تشتيت الوثـائق العربيـة في كـثير من دول العـالم أدى إلى عدم دراسة كـل هـذه الوثـائـق دراسـة متـعمقـة للاستفـادة من محتـويـاتها•
7 ـ وضـع السريـة التامـة عـلى بعض الوثـائق في بعـض الدول وعـدم إتـاحة الفـرصـة للباحـثين سواء المحـليين أو الخـارجيـين عـلى دراستهـا•
إن تلك الأسباب المذكورة آنفاً وغيرها من الأسباب الأخرى تعلل وتفسر تدني مراكز الوثائق أو إدارة الوثائق والسجلات من الصدارة والأسبقية في الدول العربية•
رابعاً ـ دور مراكز الوثائق وإدارة السجلات في التنمية وخدمة المجتمع:
في حالة بذل الدعم الفعال والإيجابي لمؤازرة مراكز الوثائق ومساندتها من جانب الدول أمكن أن يتكشف ذلك عن مقدار ما لها من قيمة علمية وثقافية أيضاً ويتكشف كذلك عن وجود علاقة تكاملية بينها وبين الفاعلية الحكومية، والتنمية الاقتصادية والوحدة الوطنية• ويمكن من خلال عدة أساليب إيضاح أن مراكز التوثيق أو إدارة السجلات والوثائق تقدم مساهمات هامة وحيوية في التنمية بشكل عام نسرد منها على سبيل المثال:
1 ـ يمكن لمراكز التوثيق أو إدارة السجلات والوثائق أن تضاعف من فاعلية الإدارات والأجهزة الحكومية، وخاصة تلك المناطة منها بالمسؤوليات الأساسية عن التنمية• ففي دليل الأمم المتحدة الصادر عام 1961م ورد: "أن التحسن الإداري شرط لا بد منه ولا غنى عنه في تنفيذ وإنجاز برامج التنمية الوطنية"، كما ذكر ذلك مصطفى أبو شعيشع في مقالته مراكز المعلومات•• المنشورة في مجلة الاتجاهات الحديثة في المكتبات والمعلومات العدد الرابع عام 1995م• ولكن المفتاح الأساسي للتنمية والتطوير والتحسن الإداري يتمثل في الإدارة الجيدة• وهذا يعني تناول ومعالجة المعلومات الوثائقية بطريقة إيجابية وفعالة، وذلك باستخدام أنظمة التصنيف والاسترجاع المطورة والمحسنة باستخدام التقنيات الحديثة، والتي تؤدي إلى خفض المتوسط الزمني لاسترجاع المعلومات المطلوبة•
2ـ يمكن أن تكون المعلومات الوثائقية ذات فائدة علمية وتطبيقية في مجال التنمية• ومن الضروري الأخذ بتجارب سابقة كبديل من البدء من الصفر في خوض غمار تجربة جديدة من شأنه أن يوفر الوقت والتكلفة، ويحول دون ازدواج الجهد، وربما يحول أيضاً دون الوقوع في الفشل، كما حدث في بعض الدول مثل ماليزيا، "فقد أدى عدم توفر السجلات ذات الصلة بزراعة الكوكا إلى إجراء عدة تجارب عملية مطولة ومكلفة، إلى جانب وقوع حالات الإخفاق والفشل التي انطوت على تكاليف باهظة، كما أن المسوحات والبحوث الجيولوجية القديمة وتقارير وخرائط ومخططات وسجلات شركات التعدين أفادت بدرجة لا حدود لها في تنمية التعدين"• كما ذكر ذلك مصطفى أبو شعيشع في المقالة السابقة• فالواجب على الحكومات أن تحتفظ ببعض أنماط معينة من السجلات والوثائق الجارية لاستخدامها مستقبلا مثلها مثل الوثائق القديمة• وبالتالي فإنه من الممكن تبرير وجود دار للمحفوظات أو مركز لحفظ الوثائق بسبب المتطلبات والاحتياطات المستقبلية وحدها، فمن المؤكد أن حفظ مصادر المعلومات الوثائقية وإتاحتها للتداول يجعل التخطيط من أجل التنمية سهلاً وميسوراً، ويحول دون تكرار الجهود، ويدعم الاستمرارية، ويتمخض عنه فوائد عدة تستخلص من التجارب السابقة•
3ـ يمكن أن تساهم المعلومات الوثائقية في تنمية الوحدة الوطنية وإذكائها وحل بعض الخلافات الحدودية بين بعض الدول المتجاورة• فإن كثيراً من الدول العربية وإن لم تكن كلها، ما هي إلا كيانات مصطفة منذ فترة الاحتلال الإنجليزي والفرنسي وغيره، الذي خلف وراءه خلافات ثقافية واجتماعية وحدودية بين الدول العربية، كما شجع على إحياء الصراعات القديمة، وحث على ظهور قوى سلبية تهدد بقاء واستمرار بعض الدول في العيش في أمن وسلام• ومن هنا فقد كانت الحاجة ماسة وملحة لصياغة عناصر الوحدة الوطنية، وبناء الوعي بالهوية الوطنية• وتعتمد تلك الهوية إلى حد بعيد على التسليم والإقرار بالتاريخ الوطني الواحد الذي يعتمد تدوينه اعتماداً كبيراً بالضرورة والحتمية على البحث في المتوفر والمتاح من المصادر الوثائقية التاريخية المعتمدة في حل تلك الخلافات بالطرق السلمية مثلما حدث في حل الخلافات الحدودية بين كل من دولة قطر ودولة البحرين بالطرق السلمية بعد الرجوع إلى الوثائق الرسمية، وكذلك من حل الخلافات التي حدثت في النزاع حول منطقة طابا المصرية مع العدو الإسرائيلي، والتي حكم فيها للحكومة المصرية بعد الرجوع إلى الوثائق التاريخية المعتمدة من قبل الحكومة المصرية•
إن من الأمثل لمركز الوثائق أو إدارة السجلات الوثائقية أن تصبح متماثلة ومتطابقة مع التوثيق العلمي الصحيح بالتقنيات الحديثة "مثل نظام ربط الكمبيوتر بالميكروفيلم وهو نظام مخرجات الكمبيوتر الميكروفيلمية"، والذي يدعم ويعزز الفاعلية الحكومية، ويقدم سلسلة متنوعة من الخدمات الحكومية لجهود المستفيدين من كل المواد الوثائقية، وتوفير الفرصة لتلقي ما تحتاج إليه من دعم مالي على نحو أفضل مما يتوفر لتلك المؤسسات التي نشأت وقامت في بعض الدول بطريقة عشوائية والتي تفتقر إلى الدراسة والتنظيم الصحيح•