إصدارات النادي

 

ذاكـرة المجتمـع:  عالم الأعمال الخاصة

 

       ليسلاي ريشمو

        ترجمة : أماني القوادري

 
مستخلص

تتناول الدراسة أعمال الشركات فى القرن الحادى والعشرين، وتطور أرشيفات الأعمال الخاصة، والأرشيفات الداخلية المشتركة، وأرشيفات الأعمال الإقليمية والوطنية، وأرشيفات الحكومة الوطنية، وجمعيات أرشيف الأعمال. كما تتناول الدراسة المشكلات التى يواجهها الموثقون فى عالم أرشيفات الأعمال وثقافة أرشيفات الأعمال الخاصة والمسح البيانى للسجلات كإجراء يساعد على حماية أرشيفات الأعمال.

 

يتشارك جميع الموثقين في أهداف حماية وحفظ وضمان استخدام المادة الأرشيفية التي قاموا بتحضيرها. فمبادئهم ومسؤولياتهم تتمثل في الحفاظ على ذاكرة المؤسسة التي وظفتهم من أجل الأجيال القادمة. الموثق الحكومي يتذكر أو يؤكد أن التذكر هو أمر ممكن، ويتركز اهتمامه بالدولة والأمة، أما الموثق المدني فاهتمامه يكون بالمدينة والمواطنين، وموثق القطاع الخاص يهتم بالأشخاص الذين يدفعون له وبالزبائن والموظفين. ومما لا شك فيه أن الموثق مؤتمن على التذكر من أجل الأجيال القادمة، ومؤتمن أيضاً على جعل حق التذكر لأي مواطن في العالم حق أساسي ويمكن الحصول عليه.   

ويجب على الموثقين أن يحافظوا على الذاكرة بشكل انتقائي ( حيث أن المصادر لا تتوفر لكل شيء ليتم حفظه) ويجب عليهم أيضاً ضمان أصالة ما قد تم تذكره. كل مجتمع يعرف عن نفسه بما اختار أن يتذكر وبما اختار أن ينسى. وإذا كانت موارد التذكر، على شكل أرشيفات، فإن المعرفة الحقيقية الموثقة لمادة ذلك الموضوع قد لا تتوافر لاحقاً.

وكان يليام روبرتسون، وهو مؤرخ اسكتلندي من القرن الثامن عشر، مدركاً تماماً للتحريف الذي من الممكن أن يحدثه المؤرخون عن طريق تركيزهم على نماذج معينة موجودة في المجتمع. وكلماته التي كتبت منذ أكثر من مئتي سنة مضت تلائم الوضع اليوم. ففي حين كان هناك تسجيل " بدقة متناهية ومثيرة للاشمئزاز للمآثر البائسة للفاتحين "، وكذلك الأمر بالنسبة " لنزوات الطغاة والمستبدين "، فالنسيان كان مصير " اكتشاف الفنون المفيدة وتقدم معظم الفروع النافعة للتجارة ". هكذا كان مصير عالم الأعمال الخاصة أواخر القرن الثامن عشر. هل كان وليام روبيرتسون سيؤمن بآراء مماثلة عن عمل الأرشيفيين في القرنين العشرين والحادي والعشرين؟ 

أعمال الشركات في القرن الحادي والعشرين

كان للعمل الخاص والشركات والمؤسسات الخاصة الأثر الكبير على حياة الإنسان منذ الأيام الأولى للتصنيع. فقد أثر في عدة أشياء مثل البيئة والصحة وحركة السكان و التلوث و الحياة العائلية و وسائل الاتصال وتوقعات الحياة وامتلاك الثروة و علم السياسة و النقل  ....الخ. والعمل يأتي في عدة أشكال وأحجام وبُنى إدارية ونماذج ملكية. ابتداءً من السوق المحلي الصغير لبيع التجزئة أو المؤسسة الخدمية ومصفف الشعر وصولاً إلى المؤسسات المتحدة – المشتركة والتعاونية، وأيضاً المؤسسات المدمجة – إضافة إلى الشركات المصنفة ابتداءً من المحلية والوطنية وصولاً إلى المؤسسات المتعددة القوميات. ولمؤسسة العمل تأثير واسع ومديد على الثقافة والقيم والنظام الاجتماعي. هل يمكن فهم المجتمع في القرنين العشرين والواحد والعشرين دون فهم عالم الأعمال؟ 

تطور أرشيفات الأعمال الخاصة

في بداية القرن الماضي بدأ تجميع وحفظ سجلات الأعمال على مستوى كبير في دول أوروبية معينة مثل سويسرا وهولندا، وبحلول منتصف القرن، بدأت دول أوروبية أخرى إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وكندا واستراليا بحفظ سجلات الأعمال لديها. وقد ازداد عدد مستودعات السجلات الوطنية والإقليمية أو المحلية التي تقوم عملياً بالحفظ أو التخصص في تجميع أرشيفات الأعمال بشكل ملحوظ في السنوات الأربعين الأخيرة، كما ازداد عدد الأرشيفات المشتركة تحت رعاية مسئولين محترفين. حيث تطورت أرشيفات العمل كميدان تخصصي في مهنة الأرشفة كونها كانت مهملة من قبل معظم الموثقين الذين كانوا مهتمين بأرشيفات الدولة والملكية العقارية أو الحكومة المحلية.

وبشكل عام، تم تأسيس الأرشيفات المشتركة والأرشيفات التي تم تجميعها، في المناطق الصناعية المتطورة من العالم ولكن التطور ضمن الدول كان غير متجانس أيضاً. معظم المؤثرات في أرشيفات الأعمال انبثقت من أوروبة وأمريكا الشمالية. وقد ساعد على ذلك التراجع الأوروبي في عضوية قسم أرشيفات الأعمال والعمال التابعة للمجلس الدولي للأرشيف. حيث يوجد هنالك تقريباً 161- 63% أوروبياً - 17% أمريكياً- 8% آسيوياً- 7% أفريقياً و3% استرالياً.

وقد ازدادت قيمة أرشيفات الأعمال الخاصة كجزء من ذاكرة المنطقة والأمة أو القارة حيث انكب المؤرخون والمستخدمون الآخرون على الاهتمام بأرشيفات الأعمال كونها تشكل مصدرهم الأساسي للعمل والمجتمع والتصميم والنقل والناحية المعمارية والتقنية والإقليمية والمحلية والمدنية والتاريخ الزراعي. والذين يستخدمون أرشيفات العمل ليسو فقط من المؤرخين الأكاديميين الاقتصاديين. وفي أي مجتمع بما فيه، لا يمكن إنكار القيمة الكبيرة لأرشيفات الأعمال الخاصة بالأشخاص والمجتمعات ذلك فيما يتعلق بالتاريخ المحلي والبيئة والعائلة أو فيما يتعلق بنتاج التعصب الديني.

الأرشيفات الداخلية المشتركة

أول شركة داخلية للأرشيف في العصر الحديث تأسست في ألمانيا عام 1900. وخلال عام 1930 تم تأسيس شركات أخرى خاصةً في قطاع الفحم والحديد، حيث تطور هناك أيضاً. بينما اتخذ بنك انكلترا في المملكة المتحدة عدة تدابير لحفظ الأرشيفات الخاصة به. وقامت بعض الشركات الأمريكية بتأسيس برامج أرشفة في الفترة من 1940-1950، مثل شركة كوداك وكوكا كولا وفايرستون، ولكنها لم تعمل بها حتى عام 1960حيث زاد عدد موثقي الأعمال الخاصة في كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة. بدأت هذه الظاهرة بالانتشار في أنحاء المناطق المتبقية من أوروبة في العام 1970 داخل القطاع المالي وانتشرت في القطاع التجاري و مجالات الخدمات والتصنيع. ونعزو نمو الأرشيفات الداخلية المشتركة لزيادة وعي مسئولي الأعمال حول قيمة التاريخ المشترك والأرشيفات للتجارة السائدة حالياً وأيضاً حول الحاجة للتخطيط الاستراتيجي في ضبط السجلات المتداولة وغير المتداولة. حيث أن التطور لم يتوزع بشكل متناسب فيما بين القطاعات. فقد تم تمثيل القطاع المصرفي وباقي الخدمات المالية بشكل جديد من خلال تسهيلات الأرشيف الداخلي المشترك، ولكن القطاعات الأخرى بقيت مهملة نسبياً. وهذا بدون شك نتيجة التعرض الكبير للتنظيم الذي يواجهه القطاع المالي مقارنة مع باقي القطاعات. أما ثاني أكبر قطاع فهو صناعة الصيدلة، وهو مجال آخر مضبوط بشكل كبير.

أرشيفات الأعمال الإقليمية والوطنية

قامت الأرشيفات المحلية العامة والمكتبات الجامعية في كل بقاع العالم بجمع أرشيفات الأعمال الخاصة. ففي أوروبة تم تطوير المستودعات لتستوعب مجموعات الأعمال بالدرجة الأولى. أكبرها هو أرشيف الأعمال الوطني ويقع في مدينة أرهوس في الدنمرك وقد أسس عام 1940 حيث يشتمل   على 7.000 مجموعة من أرشيفات الأعمال بمساحة إجمالية تقدر بـ 50 كيلومتر، تغطي كافة القطاعات وكل حجم مؤسسة. فهو جزء أساسي من الأرشيف الحكومي الدنمركي منذ عام 1963. باقي المستودعات تضم أرشيفات الأعمال في سويسرا التي تأسست عام 1910 وهي الآن جزء من جامعة باسيل التي تمتلك حوالي 450 مجموعة. ويعمل مركز أرشيف عالم الأعمال أيضاً كمخزن وطني بينما تضم أرشيفات التاريخ الاقتصادي في هولندا، والتي تأسست عام 1914، حوالي مئة مجموعة أعمال تمتد على مساحة تقدر بـ 15 كيلومتر. أما في ألمانيا، فيوجد هناك خمس مستودعات لأرشيف الأعمال الإقليمي بالتعاون مع غرف التجارة. كما يوجد أربعة مستودعات للعمل الإقليمي في السويد ومركز سجلات العمل في جامعة غلاسكو ومركز السجلات الحديثة في جامعة وارويك وجميعها تقوم بدور مشابه في المملكة المتحدة. وتعد الجامعة الوطنية الاسترالية في كانبيرا، مكتبة بيكر في هارفرد، متحف ومكتبة هاغلي في ديلوير، الولايات المتحدة الأمريكية، أمثلة لأرشيفات الأعمال الإقليمية بعد أوروبة.

أرشيفات الحكومة الوطنية

كثير من دور الأرشيف الرسمية تلعب دور القيَم على كميات كبيرة من سجلات الأعمال منذ الفترة التي كانت فيها جميع الصناعات أو عدد محدد منها الموجودة في الدولة تحت سيطرة الحكومة أو ملك للعرش الملكي. وهذا الأمر يختلف بشكل كبير بين دولة وأخرى. ففي أوروبة وتحديداً في القرن العشرين، أصبح معظم الأرشيفات الوطنية مسؤول عن مجموعات ضخمة من سجلات الأعمال الخاصة بالقطاعات الصناعية التي تم تأميمها. أكثر الأمثلة وضوحاً على ذلك موجودة في دول أوروبة الشرقية عندما طالب الاقتصاد المسيطر إلغاء الاقتصاد الخاص. أما التأميم في أوروبة الغربية فقد كان أقل شمولاً، ولكنه كان يشمل قطاعات حيوية مثل المخزون المائي     والغاز والكهرباء والاتصالات اللاسلكية والسكك الحديدية ومجالات أخرى مثل الفولاذ الصلب، الفحم الحجري والبترول. فالصناعات التي تم تأميمها، والتي تُعد حقيقة العامل الرئيسي الذي أنشأ ملكية الدولة،أصبحت تمثل جزءً قيماً من ذاكرة الأمة. والنتيجة المألوفة للخصخصة هي أن مسؤولية حفظ سجلات التاريخ الصناعي في المستقبل تبقى مهمة المالكين الجدد، وهي مسؤولية مهملة، لذلك فهي تُضر بذاكرة الأمة.

جمعيات أرشيف الأعمال

نتيجة إهمال الموثقين و دور الأرشيف الوطنية لوثائق الأعمال، تم تأسيس جمعيات أرشيف الأعمال الخاصة تضم الموثقين إضافة إلى المستفيدين ( وهم عادة مؤرخون)، كما تضم مالكي سجلات الأعمال ( وهم أنفسهم ممثلو هذا الأعمال) في عدة دول، للتعامل مع هذه القضايا بشكل مباشر و للتأثير في أرشيفات الأعمال. وقامت هذه الجمعيات بتطوير معايير لوصف أرشيفات الأعمال الخاصة، حيث قامت بدورات تدريبية، وأنشأت شبكة لموثقي الأعمال وأصدرت مجلات وأدبيات مهنية أخرى وأعدت تقارير خاصة بسجلات القطاع الصناعي، كما احتفظت بلوائح سجلات الأعمال التي تم أخذها من الأعمال والأرشيفات العامة. واليوم، غالباً ما تُعد هذه الجمعيات مجموعات فرعية لجمعيات الموثقين الوطنيين المختصين، مشكلة بذلك مجموعة مختصة بمهنة الأرشيف. وهذه إشارة جيدة لتطور وقبول أرشيفات وموثقي الأعمال في الفرع الرئيسي للأرشيف العالمي.

المشكلات التي يواجهها الموثقون في عالم أرشيفات الأعمال

الوضع القانوني لأرشيفات الأعمال

يوجد هناك تشريعات قليلة في أية دولة في العالم لديها مسؤولية عامة تجاه أرشيفات الأعمال. تُصنف سجلات العمل في جميع أنحاء العالم بشكل أساسي كسجلات خاصة، وليس كسجلات عامة، لذلك فإنه يوجد هناك تشريعات قليلة تحكم عملية الاحتفاظ بها، ولا شيء تقريباً للحفظ الدائم لتلك السجلات لأسباب تاريخية. حيث يوجد هناك سبع دول من أصل 154 دولة من جميع أنحاء العالم لديها تشريعات أرشيفية تختص بأرشيفات الأعمال. وهذه حقاً إحصائية لا معنى لها حيث أن التطبيق ليس تماماً مثل النظرية. وكذلك الوضع بالنسبة إلى أرشيفات الأعمال حيث أنها تكتسب في بعض الدول القليل من الحماية كجزء من الإرث الثقافي للأمة. وبعض الدول لديها سجلات جيدة لأرشيفات خاصة على الرغم من عدم امتلاكها لقانون خاص بالأرشيف. وإعداد قانون لحماية أرشيفات الأعمال لا يعد أمراً سهلاً حيث أن بضعة حكومات وطنية تتحكم بجنسيات متعددة والتي تُعد تكتلات عالمية ضخمة وقوية. هناك تشريعات قليلة في جميع أنحاء العالم مهمتها التأكيد على أن هنالك أجزاء حقيقية وهامة جداً من ذاكرة الدولة " الصناعية والتجارية وإرث العمل " تبقى في تلك الدولة، وحيثما توجد تكون غالباً غير فعالة. وتُعد النرويج حالة استثنائية جديرة بالذكر – فحتى شركات النفط العالمية تنازلت عن الأرشيفات القيمة لصالح الاتفاق الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للدولة إلى أرشيفات الحكومة. حيث أن القانون النرويجي لا يُجبر الشركات على التخلي عن أرشيفات الأعمال لصالح دور الأرشيف العامة ولكنه يحرم الشركات من حق التخلص من الأرشيفات التي تُعتبر هامة للفهم الأمثل للعمليات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي صاغت المجتمع النرويجي.

استراتيجيات التجميع

ما تم تكديسه حتى الآن في دور الأرشيف العامة الوطنية والمحلية هي الإخفاقات التي أُلحقت بمحاضر جلسات المحكمة أو ما قام الموثقون مشكورين باستلامه أو إنقاذه من الدمار. فالموثقون في الماضي كان لديهم القليل من الخبرة في تقييم أو فهرسة سجلات الأعمال الخاصة، وكانوا متلهفين لأخذ أي شيء يتم تقديمه. أما الاختيار الأوسع فكان ومازال يتم خلال أوقات انتهاء الأزمات والترحال، والاختيار يتم مصادفة أكثر من كونه جزء من التوثيق الدقيق للنموذج التمثيلي للصناعات الإقليمية والوطنية أو التوثيق الخاص بالشركات الهامة الإقليمية والوطنية أو الدولية. وهناك مواد كثيرة محفوظة في مستودعات تجميع الوثائق، حيث يجب إعادة تقييمها في ضوء إستراتيجية التجميع وإعادة إنمائها إذا تطلب الأمر.

وتُعتبر الأجوبة للأسئلة التالية بذات الأهمية، وهي: هل يقوم الموثقون، بشكل فعال، بتوثيق سجلات الأعمال التي تم إنشاءها العام الماضي ؟ وهل يقومون بشكل فعال بتجميع أرشيفات النماذج الجديدة للصناعات – شركات التكنولوجيا العالمية وأنواع أخرى من التكنولوجيا الجديدة. هل احتفظ أي موثق بسجلات شركات "دوت كوم" التي ظهرت واختفت في لمح البصر؟ ربما ليس كالموثقين الذين يشعرون بأنهم غير مستعدين للتحدي، فهم لا يملكون المصادر ويفتقدون إلى فهم كيفية تقييم وحفظ السجلات الرقمية للشركات الحديثة، والسؤال العام هو ما إذا كانت حقاً مسؤوليتهم. ولكن بالتأكيد هل كانت ومازالت ظاهرة أواخر القرن العشرين وأوائل الواحد والعشرين التي يجب أن يتم تسجيلها؟

لقد تغيرت أيضاً طبيعة حفظ السجل كالتنظيم والتفسير وأصبحت المسؤولية مهمة العالم المتضامن. فالافتقاد إلى التبصر في المحاضر الرسمية للشركة مثلاً جعل المؤرخين المتضامنين يسعون للبحث عن المسؤولين والمالكين المتقاعدين والناشطين لمقابلتهم والحصول على السجل الغير مدون لأعمال المشروع. وعلى الموثقين أن يتعاونوا أكثر مع مستخدمي السجلات من أجل خلق إستراتيجية لتوثيق العمل إرضاءً للجميع.

المادة الرقمية – مشكلة الحاضر سوف تلازمنا إلى الأبد

المشكلة التي تتعلق باستراتيجيات التجميع تتمحور حول السجلات الرقمية. فعصر الرقميات قد جاء. ونحن نعيش تجربة تلمسها المواطنون الأوروبيون مع عصر الطباعة في القرن الخامس عشر. إن تأثير العصر الرقمي على مجتمعنا وحضارتنا يُعد بمثابة إلهام مروع والكل واقع تحت تأثيره، حيث أن تجربة إدخال الصحافة المطبوعة كانت لأسلافنا ولكنها حدثت بسرعة أكبر بكثير. فحفظ السجلات الرقمية يكلف الكثير – علماً أن الإنسان، مع ذلك، أكيد تماماً كيف يقوم بعملية الحفظ، والتقييم عند النشوء أو على الأقل المعلومات الكاملة المدرجة ضمن السياق على شكل بيانات متعاقبة يجب أن تُضاف بالسرعة الممكنة، وربما المقلق أكثر هو الافتقار إلى التسهيلات في مستودعات التجميع لحفظ مثل هذه السجلات. فالأعمال سوف تحتفظ بسجلاتها الرقمية- عليها ذلك لتبقى موضع المنافسة- ولكن عندما تتوقف شركة ما عن العمل أو تقدم سجلاتها الرقمية القيمة من الناحية التاريخية إلى مستودع ما، فماذا سيفعل الموثق الذي يقوم بعملية التجميع؟ أيقوم بطباعتها جميعها؟ أم يضيف البيانات المتعاقبة؟ الأفضل أن يقوم باختيار الشركة، يشاركها المشكلة ويساعدها على تعزيز سجلاتها الرقمية للسماح بالحد الأدنى والأقصى من الاسترداد أو الحد الأقصى من الحفظ. وهنا من المهم جداً إعطاء أرشيفات الأعمال الخاصة مكانها الملائم في ذاكرة المجتمع ورسم الاستراتيجيات للحصول على سجلات الأعمال الرقمية.

ثقافة أرشيفات الأعمال الخاصة

ثمة عدة مشكلات تواجه أرشيف الأعمال الخاصة، منها عدم فهم استراتيجيات التجميع والتقييم، وأحد الحلول الممكنة لهذه المشكلة هو تحسين ثقافة الموثقين في مجال أرشيفات الأعمال. فثقافتهم حول دبلوماسية ومتطلبات سجلات العمل تسير نحو الأفضل ولكن الأمر يتطلب المزيد من العمل. فالموثق العادي الذي يعمل في مستودع الدولة أو مستودع محلي داخل المدينة لديه القليل من التدريب العملي في مجال أرشيفات الأعمال. حيث أن التدريب على أرشيفات الأعمال هي ميزة جديدة في العديد من مدارس الأرشيف، في حال كانت تتضمنها، وهي في أغلب الأحيان تُترك لجمعيات أرشيفات الأعمال ليتم تزويدها بها.

المسح البياني للسجلات

أحد الإجراءات الرئيسية التي تساعد على حماية أرشيفات الأعمال، فضلاً عن التشريع، هي التي تم توصيتها بشكل خاص للتأكيد على عملية حفظها والدخول إلى الأرشيفات الخاصة في   " تقرير مجموعة الخبراء حول تنسيق الأرشيفات " وإعداد قوائم الجرد وسجلات المجموعات. وهذا له تقليد قوي في أوروبة ويمكن أن يُحتذى به بشكل نافع في مكان آخر. فأرشيفات التاريخ الاقتصادي في هولندا قامت بحفظ سجلات أرشيف الأعمال بالتعاون مع السجل المركزي للأرشيفات الخاصة ومع الجمعية الهولندية لمؤرشفي الأعمال منذ عام 1983. أما لجنة المخطوطات التاريخية في المملكة المتحدة فإنها تحتفظ بالسجل الوطني للأرشيف الذي يتضمن أرشيفات العمل. وقدم مجلس أرشيف الأعمال ( المملكة المتحدة ) مسح بياني منشور ضمن هذا السياق يشير إلى سجلات العمل المصرفي وصناعة الخمر وبناء السفن والصناعات الدوائية إضافة إلى المهن المتعلقة بعلوم المحاسبة والأدوية البيطرية. مثل هذا المسح البياني يعمل بطريقتين: الإشارة إلى المادة المحتملة الموجودة للمستخدمين والتي تسمح بالدخول إلى تلك المادة إضافة إلى لفت الانتباه بخصوص العمل المهتم به إلى أن سجلاتهم التاريخية تملك قيمة تتخطى حدود الشركة لتصل إلى المحلية والإقليمية والوطنية أو ميدان العالمية.

المستقبل

يشكل العالم في القرن الواحد والعشرين ساحة تسوق عالمية، ويؤسس التجار نقابات واسعة متعددة الجنسيات. فالشركات العالمية أصبحت تملك قوة ونفوذاً أكثر من عدة أمم صغيرة ولديها القدرة على التأثير وتشكيل التراث الوثائقي لعدة أمم. وتُعد مشاكل الاندماجات الدولية والسيطرة على الاستثمار الداخلي قضايا تؤثر في ذاكرة العديد من الدول. وتُعد جامعة غلاسكو للخدمات الأرشيفية مسؤولة عن مجموعات دولية تختص بأرشيفات العمل ضمن الدولة، حيث أصبحت واحدة منها إمبراطورية استعمارية موحدة والأخرى اتجهت نحو الانحطاط الصناعي السريع يليها استثمار عالمي داخلي. وهذا كان له الأثر الكبير في الإرث الثقافي لاسكتلندا. وحتى تكوين وحفظ السجل هو الآن خارج سيطرة العمل المحلي وفي أيدي النقابات العالمية.

ومن الممكن أن يكون لفروع الشركة في إحدى الدول أهمية إستراتيجية بالنسبة لاقتصاد تلك الدولة على الرغم من وجود المقر الرئيسي في قارة أخرى وإبدائه اهتمام أقل بالإرث المحلي. فالوضع يحتاج إلى وضع الآليات في مكانها الصحيح لتوثيق تطور الفرع والترتيبات المعدة للحفظ والدخول والتي ستكون متأثرة بالمتطلبات القانونية للدولة التي يقع فيها المقر الرئيسي للشركة. أحد الحلول لهذه المشكلة هو فكرة مجموعات العمل العالمية، على غرار مواقع التراث العالمية المعروفة، وذلك فيما يتعلق بمساهمتهم في عالم الأعمال أو فيما يتعلق بقاعدة العميل الدولية.        

 


 

(*)مجلة كوما (المجلة الفصلية الصادرة عن المجلس الدولي للأرشيف) العدد 2-1 العام 2002.