إصدارات النادي

 

عبد الله زهدي أفندي
خطاط وكاتب الحرم النبوي الشريف••
عمار عبد الغني

تطورت حرفة الكتابة والخط على مر التاريخ الإسلامي، وكانت إحدى الوسائل المهمة في نشر العلوم الإسلامية•• فبها تم تدوين القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة•• وغيرها من العلوم والمعارف•• وقد ظهر في هذا المجال أعلام عدة نذكر منهم: ابن البواب، ابن مقله، عبد الله زهدي أفندي الذي ظهر متأخراً عن غيره من الخطاطين، وقد أطلق عليه لقب خطاط مصر وكاتب الحرم النبوي الشريف•
نسبه ومولده
هو عبد الله زهدي أفندي بن عبد القادر أفندي النابلسي، يتصل نسبه بالصحابي الجليل تميم بن أوس الداري رضي الله عنه الذي توفي عام 40 للهجرة•• وهومن مدينة نابلس في فلسطين هاجر منها مع أبيه إلى دمشق ثم رحل إلى تركيا، واستوطن في مدينة كوتاهية وبعدها توجه إلى استانبول••
بداياته•• الصعوبات التي لاقاها
بدأ مشواره مع فن الخط بتشجيع من والده عبد القادر أفندي وتتلمذ على يد كبار الخطاطين في عصر راشد أفندي،مصطفى عزت أفندي الذي تعلم منه خطي الثلث والنسخ•
وبعـد أن أتقـن هذا الفن عـين مـدرساً للرسـم والخط في مدرسة (جامع نور العثمانية)•
وقد بدأت شهرته عندما أراد السلطان العثماني عبد المجيد إعادة تعمير المسجد النبوي الشريف وتوسيعه بعد انهيار إحدى القباب فيه فطلب السلطان من الخطاطين الموجودين في تركيا تقديم نماذج عن أفضل ما لديهم من الخطوط ليتم اختيار الأفضل منهم•• شارك في هذه المسابقة كبار الخطاطين الأتراك وكان من بينهم زهدي أفندي وقد أشرف على عملية اختيار هذه الخطوط السلطان عبد المجيد نفسه، حيث كان كوالده السلطان محمود بن السلطان عبد المجيد ودرس كذلك على يد كبار خطاطين عصره أمثال طاهر أفندي• لذلك عمل على تشجيع الخطاطين ورعايتهم وقد استوقفه ما كتبه عبد الله زهدي، وأسند إليه شرف الكتابة على جدران المسجد النبوي وأمر بتخصيص معاش له مدى حياته قدره 7500 قرش ثم أمره بالتوجه إلى المدنية المنورة لكتابة خطوط المسجد النبوي الشريف•
الصعوبات التي تعرض لها خلال عمله
إن اختيار السلطان عبد المجيد لعبد الله زهدي الذي لم يرق لغيره من كبار الخطاطين في عصره حيث أبدوا تذمراً واعتراضاً قائلاً أحدهم:
كيف يعين ولداً صغيراً بمثل هذا العمل ونحن لا نزال على قيد الحياة لكن السلطان عبد المجيد لم يأبه لمثل هذه الاعتراضات وطلب من عبد الله زهدي متابعة عمله الموكل إليه وبالفعل بدأ العمل في إعادة ترميم المسجد النبوي الشريف وتوسيعه، وكانت الخطة الحكيمة أن يكون الترميم والبناء بالتدريج حتى لا يتعطل الناس عن أداء الصلاة حتى إذا أنتهى البناء من جهة انتقل العمل إلى الجهة الأخرى•• وهكذا حتى اكتمل الترميم• ويعد هذا الترميم والتوسع هو الأكبر من نوعه منذ إنشاء المسجد الشريف حتى ذلك التاريخ، وبعد أن انتهى الترميم جاء دور عبد الله زهدي لكتابة الخطوط على جدران المسجد، وكتب مجموعة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة والأشعار التي قيلت في مدح رسول الله (ص)•
وقد كتب على الجدار القبلي من أوله إلى آخره على يمين الداخل من باب السلام أربعة أسطر، كلها آيات قرآنية ما عدا السطر الأخير فهو أسماء النبي محمد عليه الصلاة والسلام•• وقد كتبه بالدهان وبصورة غير بارزة أما الأسطر الثلاثة الأولى فكتابتها كانت بارزة فالسطران الأول والثالث كتابتهما كانت محفورة على المرمر ومضروبة باللون الأخضر، والسطر الثاني بارز ومحفور على الخشب بمهارة فائقة وصنع دقيق ومضروب باللون الأحمر•
كما كتب على باب السلام من الخارج أربعة أسطر أيضاً في السطر الأول والثاني آيات قرآنية وفي السطر الثالث أبيات شعرية وفي الرابع أسماء سلاطين آل عثمان•
وقد ساعده مجموعة من المهندسين والفنانين أمثال الخطاط جوهر زاده، ومحسن أفندي وحسين أفندي، وأحمد أفندي•
وأثناء العمل توفي السلطان عبد المجيد وجاء الأمر إلى عبد الله بالتوقف ومن معه عن العمل في ترميم المسجد النبوي وتزيينه بالخطوط•
وقد وصل بهم الأمر إلى أن قطعوا عن عبد الله زهدي أفندي معاشه الذي كان قد قرره له السلطان عبد المجيد طوال حياته•
عندها عاد عبد الله إلى المدينة المنورة وبدأ بجمع الأموال من أهل الخير لاستكمال ما تبقى من عملية التعمير، حيث اكتمل هذا الأمر على أحسن وجه عام 1277هـ، أي بعد اثني عشر عاماً، وقد بلغت نفقات هذه العمارة ثلاثة أرباع المليون من الجنيهات المجيدية، بعد أن أنهى عمله•
وبعد أن أنهى عمله عاد عبد الله زهري أفندي مرة ثانية إلى استانبول ثم توجه بعد ذلك إلى مصر وكان صيته قد سبقه إلى هناك فاستقبله الخديوي إسماعيل وأوكل إليه مهمة تدريس فن الخط العربي في المدرسة الخديوية والمدارس العامة ودوائر الدولة وكذلك خطوط الأوراق النقدية المصرية، إضافة إلى كتابة الآيات القرآنية وغير ذلك على كسوة الكعبة المشرفة، حيث كانت تصنع في مصر في ذلك الوقت، ويذكر أنه قام بكتابة نسخة واحدة من المصحف الشريف لـ حسين باشا•
توفي عبد الله زهدي أفندي عام 1296هـ 1878م ودفن بالقرب من ضريح الإمام الشافعي• ولا زال الخطوط التي كتبها حتى الآن في المسجد النبوي تشهد على روعة ماخطه هذا الفنان وعلى أصالة هذا العمل•
المصادر
ـ بلال عبد الوهاب الرفاعي، الخط العربي وتاريخه وحاضره •
ـ محمد طاهر الكردي، تاريخ الخط العربي وآدابه •
ـ د• محمد السيد الوكيل، المسجد النبوي عبر التاريخ •
ـ المجلة العربية، عدد شعبان 1411هـ •
ـ مجلة الفيصل العدد 275 آب 1999 •