|
الافتتاحية
نحو شبكة عربية للبحث العلمى والابتكار
د.
عبد المجيد الرفاعى
رئيس النادى العربى للمعلومات
لعل
أهم نتائج القمة العالمية لمجتمع المعلومات التى انعقدت فى تونس فى
16-18/11/2005، كانت فى التأكيد
على أن الفجوة الرقمية لا تقتصر على الأبعاد المادية التكنولوجية فقط،
بل وقبل ذلك، وربما أهم من ذلك، الأبعاد الفكرية والعلمية والبحثية،
ولذلك كانت موضوعات مثل "المحتوى الرقمى" و"البحث العلمى" و"الإنتاج
الفكرى" و"الإبداع والاكتشاف" من أهم عناوين الندوات والمحاضرات
المطروحة فى القمة، وقد أكد معظم المتحدثين على أن (الفجوة الرقمية) هى
أيضا فجوة علمية وتنموية.
وترتدى مسألة البحث العلمى والابتكار فى عصرنا أهمية كبرى، ليس فقط على
الصعيد العلمى، بل وعلى صعيد الجهود الرامية إلى بناء نهضة وطنية، وعلى
صعيد الاقتصاد، فمن المعروف أن العالم اليوم يعيش عصر اقتصاد المعرفة
حيث يمثل الإبداع والابتكار عاملاً رئيسياً فى تنمية الاقتصاد الناجح
المتقدم.
والحقيقة أن الفائدة القصوى التى يمكن أن يجنيها العرب من استخدام
تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تتمثل فى توظيفها لخدمة تشجيع الإنتاج
الفكرى العربى وتعزيز المحتوى الرقمى وتشجيع البحث العلمى والإبداع
والاكتشاف والاختراع، فليس المهم أن نقتنى التجهيزات المتقدمة وأن نبنى
الشبكات الحديثة فقط، بل الأهم من ذلك كيف نوظف هذه التقنيات وأين
نوجهها، ولذلك فإننا نعتقد أنه ينبغى على أية خطة وطنية لتكنولوجيا
المعلومات والاتصالات أن تكون مندمجة فى خطة وطنية استراتيجية عامة
تهدف إلى تحقيق نهوض اقتصادى وعلمى وإدارى عام تتكامل فيها الخطوات
المشروعات والرؤى فى جميع القطاعات، وتكون فيها الخطوات المشروعات
والرؤى فى جميع القطاعات، وتكون فيها تكنولوجيا المعلومات الأداة
والرافعة لإنجاز الأهداف فى جميع القطاعات الأخرى.
ومن بين القطاعات الأخرى جميعها نرى أولوية واضحة لقطاع البحث العلمى
والإبداع والاكتشاف والاختراع، فلئن كانت أهمية العلم كبيرة وعظيمة فى
عصر الثورة الصناعية، فإن البحث العلمى اليوم يشكل القلب النابض المحرك
الذى يدفع الدم والحياة فى اقتصاد المعرفة، ولقد أدركت جميع بلدان
العالم هذه الحقيقة، وهى تخصص ما لا يقل عن 3% من الناتج الإجمالى
القومى لأغراض البحث العلمى، وهى نسبة تكفل استمرار تدفق الدم فى
اقتصاد المعرفة، وتكفل استمرار التقدم التكنولوجى الذى أصبح مصدر
الثروة الحقيقية فى عصرنا.
أما الشركات التكنولوجية المتقدمة فهى قائمة أساساً على المنافسة
وتحقيق قصب السبق فى الميادين التكنولوجية الاقتصادية، ولذلك فلا
نستغرب مثلاً إذا استثمرت شركة نوكيا مبالغ هائلة فى مجال البحث، فقد
بلغ انفاقها على البحث والتطوير 3.76 مليار يورو فى سنة 2003 أى ما
يمثل 12.8% من صافى المبيعات(1)، وهذا المبلغ يوازى
الميزانية الرسمية لإحدى الدول العربية، كما أن نسبة 12.8% تزيد بعشرات
الأضعاف عن النسبة التى تخصصها الحكومات العربية للبحث العلمى
(0.1-0.5%)، من الناتج المحلى لتلك الدول، ولذلك نقول إن التقدم الذى
تحققه البلدان والشركات الآسيوية والغربية لا يستند فقط إلى التراكم
العلمى والمؤسسات الأكاديمية ولكنه يستند أيضاً إلى استثمار مالى كبير
فى مجال البحث العلمى.
تمثل الشبكة العربية للبحث العلمى والإبداع والابتكار أحد أهم
المشروعات التى يمكن أن تنجزها الحكومات العربية بالتعاون بين الشركات
الخاصة والمؤسسات الأكاديمية ومراكز الأبحاث العلمية، ولكن ما فائدة
شبكة كهذه؟
إنها تصنع تحت تصرف الباحثين العربى كتلة حاسمة من المصادر المعرفية
العلمية ومن الموارد البشرية والمالية على حد سواء، كما أنها تدعم
قدرات الأفراد والمؤسسات من خلال تعليم الباحثين الجدد على يد باحثين
أكثر خبرة، وتسمح بتلافى الازدواجية فى جهود البحث والتطوير، وتحقق
الاستثمار الأمثل للمصادر العلمية والموارد المالية والبشرية وللبنى
التحتية، وبذلك تسفر الاستثمارات فى مجال العلم والتكنولوجيا عن عائدات
أكبر.
إن وجود شبكة عربية للبحث العلمى والابتكار ركن أساسى فى استراتيجية
التنمية العربية، فهى تسمح بتحسين نوعية البحوث وشموليتها وفائدتها،
إلى جانب إمكانية تقاسم تكاليف البحث والتكوير ومخاطرهما، وتخفيض المدة
الزمنية اللازمة لإنتاج البحث، وكذلك يمكن من خلال الشبكة نشر نتائج
الأبحاث وتعميم استخدامها فى مجالات أخرى.
غير أن الطريق نحو بناء شبكة عربية علمية لا يلزمه فقط تخصيص الأموال
اللازمة لبناء الشبكة بالمشاركة بين الشركات الخاصة والمؤسسات
الأكاديمية والبحثية وبرعاية الحكومات وهو عمل صعب ومعقد، وإنما لابد
قبل ذلك أو بالتوازى معه من بذل جهود كبيرة لتوحيد المصطلحات العلمية
العربية، وهى عملية صعبة ذات مسار طويل ومستمر، وإلى جانب ذلك لابد من
بناء الأدوات والفهارس والمكانز ومحركات البحث باللغة العربية، وبذلك
يمكن للشبكة أن تستوعب أنواعاً مختلفة ومتعددة من المصادر العلمية وأن
تجمعها معاً، ويمكن للباحثين أن يدمجوا هذه المصادر وأن يخلقوا منها
أفكاراً جديدة وابتكارات مهمة.
يمكن للشبكة العلمية العربية أن تكون شبكة عامة تتناول جميع التخصصات
العلمية، غير أنه من الناحية العلمية التى تتوخى جدوى اقتصادية ملموسة،
ينبغى تحديد عدد من الاختصاصات التى تحظى بأولوية لدى مراكز البحث
والمؤسسات الأكاديمية والشركات الخاصة، فيمكن مثلا للشبكة أن تبدأ
باختصاصات ضرورية بالنسبة للبلدان العربية مثل تكنولوجيا المعلومات
والاتصالات والزراعة والهندسة الوراثية وتحلية المياه والطاقة
وتكنولوجيا المواد الجديدة، أو يمكن البدء باختصاص واحد أو اثنين ثم
تدمج باقى الاختصاصات، كما يمكن إقامة عدة شبكات على التوازى تدمج
الاختصاصات المتقاربة، مثل : (الزراعة – الهندسة الوراثية – تحلية
المياه)، واختصاص (الطاقة – تكنولوجيا المواد الجديدة)، واختصاص
(تكنولوجيا المعلومات والاتصالات – علم المعلومات والأرشيف).
نعلم أن الطريق نحو بناء شبكة أو شبكات عربية للبحث العلمى، ليست
طريقاً سهلة ولا قصيرة، ولكن علينا منذ الآن إذا ما رغبنا فى الإعداد
لدخول العرب إلى مجتمع المعلومات واقتصاد المعرفة أن نبدأ على الأقل
بالتفكير فى بناء مثل هذه المشروعات، وتعزيز الوعى بالشبكة وأهدافها من
خلال عقد ندوات أو ورشات عمل حول فكرة إقامة الشبكة ومتطلباتها وآفاقها
وجدواها الاقتصادية، وشن حملات إعلامية فى وسائل الإعلام العربية،
وإعداد ونشر دراسات حول الموضوع بهدف توزيعها على الجهات ذات المصلحة
فى إنشاء الشبكة، وأخيراً إنشاء موقع إلكترونى يضم كل هذه الفعاليات
ويرتبط بوصلات مباشرة مع مواضع الجهات التى يمكن أن تكون مهمة بإنشاء
الشبكة العلمية العربية.
إن البدء بأى مشروع كبير يحتاج إلى نوعية بأهميته، ويحتاج إلى تحريض
على العمل وتحفيز للهمم، كما يحتاج إلى تصوير الآفاق المستقبلية التى
ستنجم عن تنفيذه، ثم تقريب الحلم من أرض الواقع عبر خطوات صغيرة ممكنة
ولكنها متتالية ومستمرة.
الهوامش
1) اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربى آسيا (الأسكوا)، إقامة شبكات
البحث والتكوير والابتكار فى البلدان العربية، الأمم المتحدة، نيويورك،
2005.
|