إصدارات النادي

 

التدابير التشريعية العربية لحماية
المعلومات والمصنفات الرقميةيونس عرب

تمهيد:
لم تعد المعلومات مادة البحث العلمي فقط، أو مادة التعليم بمراحله، والتدريب وتأهيل الموظفين واستراتيجيات القيادة والإدارة، وعناصر المنافسة في الإنتاج، وخطط التسويق والإعلان، واستراتيجيات تقديم الخدمات، بل أصبحت محدد الفعالية والقدرة لكل ذلك وغيره فلا عجب إذا أن تمثل تكنولوجيا المعلومات المرتكز الاستراتيجي في خطط البناء والتنمية، وأن تصبح وسائلها - إن في حقل الحوسبة أو حقل الاتصال أو حقل المعطيات-مادة مشروعات الاستثمار الحيوية، وأن تصبح الإنترنيت في أيامنا هذه - وهي واسطة مجمعة لوسائل التقنية العالية مخازن لمليارات (الصفحات) من المعلومات والوثائق السياسية والتاريخية والتجارية والثقافية والعلمية والعسكرية والجغرافية والسياحية والقانونية وغير ذلك وبيئةً لملايين المواقع الخدمية والتجارية وغير الربحية والحكومية والشخصية، ولا عجب أن يتسابق القاصي والداني إلى احتلال موقع ضمن هذه الشبكة،من الإنسان الفرد إلى أعظم مؤسسات علوم الفضاء ومن المؤسسات والهيئات الأهلية إلى الحكومات والمنظمات الدولية(1)•
والإنترنيت، بيئة تشبيكية لشبكات المعلومات حول العالم، لذا هي عالمية، وهي بيئة يتواجد فيها من يريد متى ما حقق متطلبات التواجد والدخول، ولذلك قيل إنها غير مملوكة لأحد ومملوكة للكافة في ذات الوقت، ولكن !! ورغم توفر ذات الفرص، إلا أن الوجود الحقيقي على الشبكة والاستثمار الحقيقي لمميزاتها، بل والتحكم في اتجاهاتها وحركتها، رهن بالمعرفة والقدرة والإمكانات، بل ورهن بقرار الوجود ضمن حركة التاريخ، لهذا، نجد الإنترنيت رقعة الأقوياء لتوجيه الإعلام، وموطن العمالقة في سوق الاستثمار والمال، ومن جديد هي بيئة لشمال المعلومات الغني في مواجهة جنوب الفقر المعلوماتي، ولهذا ثمة للأمريكان والأوروبيين موضع قوي، وليس للعرب فيها غير القليل مما استطعنا أن نقلد أو أن نتشارك فيه بقرار من الآخرين ..
وإذا أردنا في بيئتنا العربية أن تكون لتكنولوجيا المعلومات بوجه عام، ولقواعد البيانات المؤتمتة وللإنترنيت بوجه خاص، الإيجابيات التي كثر الحديث عنها، وإن أردنا أن نكون نحن رقما ملحوظا في فضائها، ثمة الكثير لننجزه، تقنياً وإدارياً وثقافياً والأكثر ربما يكون في حقل القانون، لأنه برأينا، البنية التحتية اللازمة لتحقيق الإنجاز في كافة عناصر الوجود الفاعل في هذه البيئة•
فماذا عن الإطار القانوني لتكنولوجيا المعلومات، أين أثرت التقنية في النظام القانوني وكيف تتأثر هي بالقانون، ما هي تدابير حماية المعلومات، وما هي المصنفات الرقمية ؟ وما هي أداءات المشرعين لجهة تنظيم أحكامها وتوفير الحماية لها ؟؟ ماذا عن البيئة الافتراضية (الإنترنيت) ؟ هل عالميتها تجعلها عصية عن التنظيم القانوني، أم أن علينا أن نسأل .. هل التنظيم القانوني ملح لمثل هذه البيئة ؟؟، ما هو الواقع، وأين نحن من الدعوات التي تثار في هذا الحقل ؟؟؟ هل نحن مع التنظيم القانوني ؟ وهل أدركناه أو أدركنا قدراً منه ؟ ؟ وهل شاركنا في أن ينظم سوق تكنولوجيا المعلومات لدينا نفسه بما يحقق أغراضنا ويحمي مجتمعنا ؟ وأين نحن مما أنجزه الشمال المعلوماتي الغني والمقتدر ؟؟ هذا ما نحاول التعرض له بإيجاز في هذا المقام، آملين أن تتعمق عناصر العرض بالنقاش والتفاعل عبر محاور هذا الندوة العلمية الهامة•
1- الحقائق التاريخية لعلاقة تقنية المعلومات بالنظام القانوني - قانون الكمبيوتر
الحقيقة أن تقنية المعلومات خضعت منذ السبعينيات لموجات متعاقبة من التشريع القانوني في مختلف فروع القانون، فتوقيت ولادة قانون الكمبيوتر أو قانون تقنية المعلومات أو لنقل ملامحه الأولى بدأ مع شيوع استعمال الكمبيوتر وانخفاض كلفه، ولأنه أداة جمع ومعالجة للمعلومات فقد كانت أول تحدياته القانونية إساءة الاستخدام على نحو يضر بمصالح الأفراد والمؤسسات، ومعه نشأ الارتباط بين القانون والكمبيوتر الذي انطلق من التساؤل فيما إذا كانت أنشطة إساءة استخدام الكمبيوتر تقيم مسؤولية قانونية أم أنها مجرد فعل غير مرغوب به أخلاقيا؟ وما إذا كان يتعين تنظيم استخدام الكمبيوتر أم لا ؟؟ وهذا التساؤل أثير في حقلين هما:
1ـ المسؤولية عن المساس بالأفراد والمؤسسات عند إساءة التعامل مع بياناتهم الشخصية المخزنة في نظم الكمبيوتر على نحو يمس أسرارهم وحقهم في الخصوصية•
2 ـ المسؤولية عن الأفعال التي تمس أو تعتدي على أموال الأفراد ومصالحهم وعلى حقهم في المعلومات ذات القيمة الاقتصادية•
ولو دققنا في هذين الحقلين لوجدنا أنفسنا أمام (الخصوصية) و (جرائم الكمبيوتر) .والجدل الذي دار في ذلك الوقت (الستينيات تحديداً وامتد إلى مطلع السبعينيات) أشبه بالجدل الدائر منذ نحو خمس سنوات بشأن الإنترنيت:- هل يتعين إخضاع التقنية الجديدة - توظيفها واستخدامها- للتنظيم القانوني أم تترك للتنظيم الذاتي، أو كما يعبر عنه الفكر الرأســمالي (تنظيم السوق نفسـه) فلا نكون أمـام قواعد قانونيـة تقر من الأطر الحاكمة بل أمام قواعد سلوكية وشروط عقدية تتدخل قطاعات الأعمال لوضعها .
في هذا الإطار فإن أول حالة موثقة لإساءة استخدام الكمبيوتر ترجع إلى عام 1958 وفقا لما نشره معهد ستانفورد في الولايات المتحدة الأمريكية، ليبقى الحديث من ذلك الوقت وحتى مطلع السبعينيات في إطار البعد الأخلاقي وقواعد السلوك المتعين أن تحكم استخدام الكمبيوتر، ولتنطلق التشريعات الوطنية في حقل جرائم الكمبيوتر مع نهاية السبعينيات (تحديداً في الولايات المتحدة ابتداءً من 1978) . أما الجهد الدولي فقد تحقق ابتداءً في حقل الخصوصية أو حماية الحياة الخاصة من مخاطر التكنولوجيا، ففي عام 1968 شهد مؤتمر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (مؤتمر طهران) ، طرح موضوع مخاطر التكنولوجيا على الحق في الخصوصية، والذي استتبعه إصدار الأمم المتحدة قرارات في هذا الحقل لتشهد بداية السبعينيات (تحديداً عام 1973 في السويد) انطلاق تشريعات قوانين حماية الخصوصية مع الإشارة إلى أنها نوقشت في نظم قانونية أجنبية كثيرة ضمن مفهوم حماية البياناتData Protection •
ولأن السبعينيات شهدت بحق الإدراك العميق لأهمية برامج الكمبيوتر وباتت تشير إلى أنها ستكون القيمة الأكثر أهمية من بين عناصر تقنية المعلومات وستفوق عتاد الكمبيوتر المادي في أهميتها، فإن مطلع السبعينيات شهد جدلاً واسعاً حول موقع حماية برامج الكمبيوتر، أهي قوانين براءات الاختراع بوصف البرنامـج من المصنفات القابلة للاستثمار في حقل صناعات الكمبيوتر أم أنها تشريعات حق المؤلف باعتبار البرنامج في الأساس ترتيب منطقي لأوامر كتابية، هذا الجدل ربما لم يمنع من أن يتفــق الجميع على وجوب الحماية لكن الخلاف كان في موضعها، فإلى جانب هذين التوجيهين، كان ثمة آراء تجد في القواعد القانونية المدنية والشروط العقدية (تحديداً في حقل المنافسة والأسرار) موضعاً مناسباً لحماية حقوق المبرمجين•
في هذه البيئة الجدلية بدأت تظهر التدابير التشريعية في حقل حماية البرمجيات اعتبارا من 1973 (في الفلبين) مع أن موجة هذه التشريعات يتم إرجاعها للثمانينيات لأن الأخيرة شهدت تدابير تشريعية وطنية واسعة في حقل حماية البرمجيات بسبب الأثر الذي تركته القواعد النموذجية لحماية برامج الكمبيوتر الموضوعة من خبراء المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الوايبو) عام 1978 •
وصحيح أن تشريعات حماية البرامج ترافقت مع تشريعات الخصوصية وجرائم الكمبيوتر، لكنها كانت أسرع تناميا وأوضح من حيث الرؤى للمحتوى ولمستقبل هذه التشريعات، ولهذا فإنها أوسع مدى من حيث عددها وإذا أردنا أن نعرف السر فإنه في الحقيقة يرجع إلى عاملين أساسيين:
الأول:- وجود المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الوايبو)، التي ساهمت عبر ملتقياتها وأدلتها الإرشادية وقوانينها النموذجية في حسم الجدل بشأن حماية البرمجيات ليكون قوانين حق المؤلف لا قوانين براءة الاختراع، أي الحماية عبر نظام الملكية الأدبية الفكرية وليس الملكية الصناعية الفكرية•
والثاني:- توجه سياسات الأسواق الرأسمالية إلى استراتيجيات الاستثمار في حقل الملكية الفكرية ومصنفاتها كمقدمة لبناء الاقتصاد الرقمي الذي بدأت أول ملامحه في اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية مدفوعة بتأثير الشركات متعددة الجنسيات لوضع الملكية الفكرية ضمن أجندة اتفاقيات تحرير التجارة والخدمات ومساومة الولايات المتحدة العالم كله على قبول اتفاقيات تحرير التجارة في البضائع مقابل إنجاز تقدم في حقلي تحرير الخدمات والملكية الفكرية(2).
ولا يعني هذا أن بقية موضوعات تقنية المعلومات لم تحظ بدعم واهتمام هيئات دولية، لكن الفرق أن أياً منها حتى ذلك الوقت لم يكن موضع عمل منظمة متخصصة فيه كما هو حال منظمة الوايبو التي تتولى رعاية الملكية الفكرية وإدارة اتفاقياتها •
وقبل أن نتواصل مع حقائق التاريخ، علينا أن نصل في هذا المقام إلى استنتاج، أن مطلع السبعينيات شهد الانطلاقة الحقيقة لموجة تشريعات الخصوصية وأن السبعينيات أيضا (وعلى امتداد الثمانينيات والتسعينيات) شهد انطلاقة الموجة الثانية المتمثلة بقوانين جرائم الكمبيوتر، في حين شهدت الثمانينيات (فعليا) انطلاقة موجة ثالثة من التشريعات المتصلة بالكمبيوتر هي موجة تشريعات حماية البرمجيات التي تمثل المصنف الأهم من بين المصنفات الرقمية ذات الاتصال بالكمبيوتر •
ثلاثة موجات تشريعية :- تشريعات الخصوصية (حماية الحق في البيانات الشخصية من مخاطر التكنولوجيا) ، قوانين جرائم الكمبيوتر (الاعتداء على نظم المعلومات والمعلومات ببعدها الاقتصادي) وتشريعات حماية برامج الكمبيوتر (الملكية الفكرية)•
هذه حقول ثلاثة في ساحة قانون الكمبيوتر، وسنجد بعد قليل أن ثمة حقل رابع يكاد يكون الوعاء الذي يضمها جميعاً وهو حقل الأعمال الإلكترونية، لكن يفصل بين حقل الأعمال الإلكترونية والحقول الثلاثة، حقول أخرى ربما لا تكون مستقلة بشكل كاف في مبناها عن الفروع القانونية التي تتبعها لكنها بالتاكيد خلقت تغيرات جوهرية استلزمتها تقنية المعلومات •
فأول الحقول التي برزت عقب الحقول الثلاثة المتقدمة، قواعد الإجراءات الجنائية للاستدلال والتحقيق والإثبات وإجراءات المحاكمة المتفقة مع طبيعة الاعتداءات في الدعاوى التي تتعلق بجرائم الكمبيوتر أو الاعتداء على الخصوصية وحتى في حقل قرصنة برمجيات الحاسوب المخزنة داخل النظم أو المحملة مع الأجهزة• وبالرغم من أن الدول الأوربية وأستراليا كذلك قد تنبهت لهذا الموضوع مبكرا مع مطلع السبعينيات إلا أن الموجة التشريعية المتصلة بهذه القواعد بدأت حقيقة وعلى نطاق واسع في منتصف الثمانينيات (ابتداءً من عام 1984 بريطانيا)•
تبع هذا الحقل تدابير تشريعية في ثلاثة حقول أخرى كان للإنترنت وشبكات المعلومات ونماء استثمارات الخدمات التقنية الدور في توجيه الاهتمام الحقيقي بها، بل في ولادة مفهوم جديد لبداياتها التي ظهرت قبل شيوع الإنترنيت، فمع تحول الإنترنيت إلى الاستخدام التجاري الواسع، ظهرت تحديات قانونية جديدة، بعضها ذو اتصال بتحديات سابقة أو قائمة، كتحديات حماية أمن المعلومات في حقلي الخصوصية وجرائم الكمبيوتر وحماية البرامج في بيئة الإنترنيت ذاتها، لما أتاحته من تسهيل ارتكاب الاعتداءات بعد أن وفرت مدخلا سهلا إلى نظم الكمبيوتر المرتبطة ضمنها • وتحديات أخرى أوجبتها أنماط السلوك الجدية التي ولدت بولادة الإنترنيت، كالبيع والشراء على الشبكات وأداء الخدمة عبر الإنترنيت، ومن هذه التحديات التنظيم القانوني للتجارة الإلكترونية • هذه التحديات التي أوجدتها أو ضخمتها الإنترنيت أو عدلت في نطاقها ومخاطرها وجديتها، رافقها موجات تشريعية بدأت في حقل ما يعرف بتنظيم الأمن المعلوماتي والمعايير التقنية وتحديدا ما يتصل بتشفير البيانات، التي انطلقت في عام 1990 من فرنسا تحديداً، ثم في حقل مكافحة المحتوى غير القانوني للمعلوماتية، الذي انطلق عام 1996 في أمريكا • وأخيراً الحقل الأكثر إثارة للجدل وأوسعها تنظيما، حقل الأعمال الإلكترونية الذي أشرنا أعلاه إلى أنه الحقل الرابع المركزي إلى جانب جرائم الكمبيوتر والخصوصية والملكية الفكرية • وحقل الأعمال الإلكتروني ليس لاحقاً للحقول الأخيرة الثلاث، إنما قد نجد تشريعات في إطاره، كالتشريعات المتعلقة بتقنيات الأعمال المصرفية، أو تلك المتعلقة بحجية الإثبات بالوسائل الإلكترونية، سابق بسنوات عديدة للحقول المشار إليها، لكن قولنا بأنه الحقل الأخير زمنيا يرجع إلى تبلور مفاهيم شمولية جديدة في حقل الأعمال الإلكترونية عكسها تحديدا مفهوم التجارة الإلكترونية والبنوك الإلكترونية • وهذا المفهوم الشامل نجد أنه انطلق مع عام 1996 الذي شهد إقرار القانون النموذجي للتجارة الإلكترونية من قبل لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة (اليونسترال) • وسنجد أن دولاً على المستوى التشريعي كانت قد بدأت الاهتمام بمسائل الأعمال الإلكترونية (كالإثبات بالوسائل الإلكترونية وحجية مستخرجات الحاسوب والتنظيم القانوني لبطاقات الائتمان وغيرها) من أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، لكنها لم تكن ضمن التصور الشامل للتجارة الإلكترونية التي ارتبطت واقعا بانشطة الاستثمار على الإنترنيت •
أما من حيث الأطر الدولية العاملة في ميادين الموضوعات المتقدمة، فإننا سنجد الجهد الأساسي والمميز موزع بين منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وهيئات أوروبا (مجلس أوروبا والمفوضية الأوربية واتحاد أوروبا والبرلمان الأوربي)والأمم المتحدة، ومجموعة الدول الصناعية الثمانية والوايبو، والإنتربول ومنظمة التجارة الدولية وغيرها من المنظمات•
إذاً هذا خط اندلاع موجات تشريعات قانون الكمبيوتر:
الخصوصية، جرائم الكمبيوتر، الملكية الفكرية للمصنفات الرقمية، الإجراءات الجنائية في البيئة الرقمية، المعايير والمواصفات والأطر التنظيمية للتقنية وتأثيرها على النشاط الإداري والخدمي، المحتوى غير القانوني للمعلوماتية، الأعمال الإلكترونية وتحديداً التجارة الإلكترونية، وفي إطار كل منها ثمة تشريعات ومجهودات دولية وإقليمية وسياسات واستراتيجيات ومحتوى ومشكلات أيضا•
هذه الحقول والموجات التشريعية - وإن كانت سبعة وفق التوصيف المتقدم أربعة منها تكاد تستقل تماما في أطرها التنظيمية والتشريعية - إلا أن كل منها شهد تطوراً فتفرع في إطارها أيضا حقول أخرى، بعضها يرتبط بغيره وبعضها يستقل في موضعه، لكن حركة التطور يأخذها شيئاً فشيئاً نحو التكاملية والتوحد في إطار واحد، وهذا ما سيؤدي إلى تبلور قانون الكمبيوتر كفرع مستقل عن بقية الفروع القانونية ولو أعدنا حصر كافة القطاعات المتقدمة وما تفرع عنها سنجد أنفسنا أمام الحقول التشريعية التالية في نطاق قانون الكمبيوتر:
1- تشريعات الخصوصية أو قواعد حماية تجميع ومعالجة وتخزين وتبادل البيانات الشخصية •
2- تشريعات جرائم الكمبيوتر، ومن ثم تطورها لتشمل جرائم الإنترنيت وشبكات الاتصال ضمن مفهوم أشمل (أمن المعلومات) وفي نطاق الاعتراف للمعلومات بالحماية القانونية من كافة الأنشطة التي يكون الكمبيوتر فيها هدفاً أو وسيلة أو بيئة للجريمة•
3- تشريعات الملكية الفكرية في حقل حماية البرمجيات ومن ثم تطورها لتشمل بقية المصنفات الرقمية، إلى جانب تطورها على نحو يعكس الاتجاهات العالمية في إدراج الملكية الفكرية ضمن تنظيمات التجارة الدولية للتوجه الحاصل نحو الاقتصاد الرقمي والاقتصاد المؤسس على المعرفة ونحو رأس المال الفكري•
4- تشريعات الأصول الإجرائية الجزائية، وتشريعات الإثبات المتفقة مع عصر الكمبيوتر والمعلومات والتي هي في الحقيقة تطوير لقواعد الإجراءات والإثبات، لكنها أيضا تتصل عضوياً بالحقوق الجديدة المعترف بها في ميدان تقنية المعلومات•
5- تشريعات المحتوى الضار (الحماية من محتوى المعلوماتية على الإنترنيت) ، ثمة اتجاهات متباينة بين توجه لدمجها مع تشريعات أمن المعلومات كما في أوروبا، أو استقلالها عنها كما في أمريكا•
6- تشريعات معايير الأمن المعلوماتي وتطورها إلى تشريعات المواصفات القياسية لتبادل البيانات والتشفير، وثمة أيضا اتجاهات لاعتبارها جزءاً من تشريعات التجارة الإلكترونية في حين هناك اتجاهات لتناول كل موضوع من مواضيعها في تشريع مستقل•
7- التشريعات المالية والمصرفية فيما يتصل بالمال الإلكتروني وتقنيات الخدمات المصرفية والمالية وفي مقدمتها البطاقات المالية ونظم التحويل الإلكتروني والتي تطورت لتشمل أطراً جديدة في حقل التوجه نحو الأتمتة الكاملة للعمل المصرفي والمالي (البنوك الإلكترونية)•
8- تشريعات الاستثمار والتجارة والضرائب والجمارك والاتصالات والأنظمة الحكومية المرتبطة بالمشروعات التقنية أو المتأثرة بتقنية المعلومات•
9- تشريعات التجارة الإلكترونية (التواقيع الإلكترونية، والتعاقد الالكتروني، والتسوق الإلكتروني) ، وهذه الطائفة تتضمن قواعد تتصل بكافة حقول تقنية المعلومات لأنها أثارت تحديات فيها جميعاً، لهذا ثمة حقيقة إن التجارة الإلكترونية وحدها برغم أنها آخر حلقات تقنية المعلومات في الوقت الراهن إلا أنها الإطار الأوسع المؤهل لتوحيد قواعد قانون الكمبيوتر•
10- تشريعات (اتفاقيات ومعاهدات) الاختصاص والقانون المطبق على المنازعات القضائية في بيئة الإنترنيت (بشكل خاص منازعات الملكية الفكرية ومنازعات التجارة والأعمال والبنوك الإلكترونية)
2 • ملامح التنظيم القانوني الدولي والمقارن لتقنية المعلومات - إطار الحماية القانونية للمعلومات والحماية القانونية للأداء الرقمي•
إن هذه الورقة غير كافية في حدود مساحتها لتغطية هذا الإطار، ولهذا فإننا نكتفي في هذا المقام بتحديد المرتكزات العامة لمختلف تشريعات تقنية المعلومات في الحقول المشار إليها أعلاه، مع بيان المشكلات العملية التي تتطلب التدابير التشريعية في حقل تقنية المعلومات، محيلين القارئ الكريم إلى المؤلفات التي تناولت هذا الموضوع تفصيلا(4) :
2-1 المرتكزات العامة لقوانين تقنية المعلومات :
إن المصالح المتعين حمايتها والحقوق المتعين الاعتراف بها في بيئة تقنية المعلومات تتوزع بين حق الكافة في الحصول على المعلومات، والحقوق والمصالح والمكنات المقررة لحائز أو صاحب المعلومة أو النظام التقني أو صاحب الإبداع أو مستثمر الابتكار وفق الحال، وحقوق المستهلك، وحقوق المجتمع• وهذه المصالح وما يتفرع عنها تتطلب إحداث توازن بين استخدام التقنية والتحكم بها وبين حقوق الأفراد والمجتمع ومصالحهما، هذا التوازن هو ما يتحول إلى قواعد قانونية تضمها أحكام قوانين تقنية المعلومات في فروعه المختلفة، فإذا ما أردنا تحويلها لقواعد (عملية) تتصل بالمعلومات للانطلاق نحو رسم ملامح النظرية العامة للمعلومات فإننا نكون أمام الأسس العامة التالية (المتعين إقرارها في النظام القانوني):
1- إن الفرد من حيث الأصل له الحق في الحصول على المعلومات، وتظل الحقائق والأفكار العامة ملكاً شائعاً للبشرية لا ترد عليها مكنات قانونية تحد من الإفادة منها ولا سلطات استئثارية إلا متى ما اتصلت بجهد خلقي (ليس هو دائما المفهوم المقرر في نظام الملكية الفكرية فحسب) يبرر الإقرار بمصالح وحقوق ترتبط بصاحب الجهد الخلقي المتصل بها• فالأفكار حول تصميم موقع الإنترنيت تظل أفكاراً شائعة لا يستأثر بملكيتها أحد لكن متى ما تحولت إلى أنماط خلقها مصمم موقع ما كانت ملكاً في إطارها الإبداعي هذا للشخص الذي ابتكرها، والخوارزميات المستخدمة في البرمجيات لا يدعي ملكيتها أحد، لكن ورودها ضمن تبويب معين ينتج برنامجاً مبتكراً تخلق للشخص الذي قام بذلك مكنة الاعتراف بحقه في نسبة هذا الإبداع له وفي حماية استغلاله المادي، وهكذا•
2- إن البيانات الشخصية عنصر من عناصر حماية السرية الشخصية واحترام الحياة الخاصة يتعين أن تخضع من حيث نطاق الحماية لما خضعت له عناصر حماية الخصوصية المادية، المسكن والمراسلات وغيرها•
3- إن المعلومات ككيان معنوي لها ذات القيمة الاقتصادية للمال المادي، يتعين أن تخضع لأحكامه وتُعامل تماماً كما يعامل، فتحيطها حماية ذات الحقوق المقررة على المال المادي ويعترف لها بذات المصالح التي يعترف بها القانون للمال المادي•
4- في نطاق التصرفات المدنية والتجارية، فإن السلوكيات والتصرفات القائمة في البيئة الرقمية (بيئة الكمبيوتر والإنترنيت) يتعين أن تكون مقبولة ومعترف بها تعبيراً عن الإدارة وعن الالتزام القانوني تماماً كتلك التصرفات المعتبرة والمقبولة في البيئة الحقيقة متى ما تحقق لها عنصر القدرة على التعبير بشكل صحيح منتج لأثره•
5- وفي نطاق الحماية الجنائية يتعين الإقرار بصلاحية المعلومات كمحل للحماية من أنشطة الاعتداء كافة، تماماً كما المال المادي المحمي ضمن نصوص وقواعد حماية الأموال، ويتعين الاعتراف لمحيط المعلومات ووعائها التقني بالصفة المقبولة لخضوعه للتصرفات التي ترتكب في بيئة المحرر الكتابي والمستندات الخطية• ويتعين المساواة بين السلوكيات المادية في انتهاك السرية وبين السلوكيات المعنوية في انتهاك الخصوصية•
6- إن محل الجريمة المعنوي له ذات القيمة المعترف بها للمحل المادي للجريمة، والسلوك المعنوي للجريمة تقوم به الجريمة تماماً كما تقوم بالسلوك المادي فعلاً وتركاً•
7- إن قواعد الضبط والتفتيش في البيئة الرقمية يتعين أن تتناسب مع مميزات هذه البيئة تماماً كما تناسبت قواعد الضبط والتفتيش في الوسط المادي مع مميزات وسلوكيات هذا الوسط•
8- الأدلة ذات الطبيعة الإلكترونية يتعين مساواتها بالأدلة ذات الطبيعة المادية - الأدلة القائمة على الكتابة والورق - من حيث المقبولية والحجية•
9- كلما كان التصرف المادي في البيئة الواقعية محل اعتبار يتعين الاعتراف بما يقابله من تصرف معنوي في البيئة الرقمية، فالتوقيع الإلكتروني يقتضي مساواته بالتوقيع المادي• والتصديق الإلكتروني يتعين مساواته بالتصديق المادي، وهكذا، شريطة أن تحقق البيئة الرقمية من حيث المعايير والإجراءات المتصلة بالسلوكيات المعنوية أو سلوكيات البيئة الافتراضية ما يوفر الثقة التي تحلت بها السلوكيات المادية•
10- إن البيئة الرقمية متى ما تحقق نمط ومعيار أجرائي يكفل لها الموثوقية والثقة بالسلوك في بيئتها والاطمئنان للدليل المستخلص من وسائلها يتعين أن تعامل كالبيئة الحقيقة، وفي نطاقها يكون الحق محل اعتراف وتكون المصلحة موضع تقدير وتكون القاعدة القانونية منطقية إذ لم تقبل تمييزاً بين بيئتين توفر لهما ذات المعيار من حيث الثقة وذات العناصر من حيث الاطمئنان•
11- إن المعلومات بذاتها وبما يتصل بها من سلوكيات متى ما تحقق الاعتراف القانوني بكيانها والاعتراف بما يتصل بها من تصرفات وما تنشئها التصرفات هذه من أثر ونتائج ومسؤوليات، وما يتعلق بها من حقوق ومصالح، حققت الأسس القانونية المقر بها ضمن قواعد كافة فروع التشريع الدستورية والمدنية والتجارية والمالية والإدارية والجزائية وتشريعات حماية المستهلك، المتعلقة بالتصرفات المادية والمحل المادي والآثار الناتجة عن هذه السلوكيات والمراكز القانونية الناشئة عنها•
12- إن المعلومات مال، والتصرفات المعلوماتية ذات وجود وأثر، فلا يتعين عندها أن تحرم من التنظيم التشريعي لأنها لدى الكثيرين افتراض ووهم• وبنفس الوقت لا يتعين أن تشقى القواعد القائمة في ليّ النصوص وتطويع النظريات القائمة لتستوعب المعلومات خاصة بعد أن تحقق أثرها كعماد للاقتصاد الرقمي، ويتعين أن تصاغ النظريات بمرونة تستوعب القادم الجديد في عصر المعلومات ووسائلها فتحظى بشمولية المعالجة لتحقق سرعة الاستجابة في مرحلة أصعب ما فيها إدراك سرعة التغير وولادة الأنماط المستجدة• ولا يتعين أن يحتج بالمتغيرات للهروب من مسؤوليات التنظيم التشريعي، لأن الأسس للمتغيرات أمست واضحة، فكثير من المستجدات لا تؤثر في صحة القواعد القائمة وغالباً ما قد يكفي معها تطوير الإطار الإجرائي وليس الموضوعي، وإذا كان ثمة حاجة لمواكبة التشريع للتغيير فلن تكون أوسع أثراً أو نطاقاً مما شهدته التشريعات التقليدية ذاتها من تغيرات بسبب آثار العصر ومستجداته•
2-2 ضرورة قوانين تقنية المعلومات في ضوء المشكلات العملية - مجرد أمثلة
القواعد والمرتكزات العامة المتقدمة مثلت الإطار العام لمختلف تشريعات قانون تقنية المعلومات أو قانون الكمبيوتر، لهذا فإن قانون الكمبيوتر هو ذلك الفرع الذي ظهر بسبب المسائل القانونية المستجدة والفريدة التي نشأت من استخدام الكمبيوتر والإنترنيت، ويتميز عن غيره من الفروع بأنه متعدد الأثر والتأثير، فهو يطال فروعاً قانونية عديدة من الفروع المعروفة ضمن تقسيمات القانون، ويشمل في نطاقه مسائل التعاقد والإثبات، والضرر، والملكية الفكرية، والتوظيف، والدستورية، والبنوك، والجزائي، والإجراءات، والمدنية•••إلخ• ومن جهة أخرى، وبرغم اتساع وتشعب مسائله، فإنه فرع ضيق يتعلق بمساحة ضيقة هي المسائل المرتبطة بالكمبيوتر (Computer - related topics )، على أن يكون مفهوماً أن الكمبيوتر ليس مجرد الحوسبة ومعالجة البيانات بل المفهوم الشامل للكمبيوتر كنظام إدخال وخزن ومعالجة وتبادل ونقل للبيانات، أي يشمل وسائل الحوسبة والاتصالات بتفرعاتها العديدة، والمعبر عن دمجهما في هذه المرحلة بشبكات المعلومات وفي مقدمتها الإنترنيت•والإطار الضيق لقانون الكمبيوتر - من حيث يتعلق بالكمبيوتر وأثره - يمتد بالمقابل إلى مساحة رحبة من الإجابة عن تساؤلات عديدة، تغطي مسائل متنوعة تتعلق بمسؤوليات مختلفة المنشأ والمصدر وهي:
ü كيف أحمي برنامج الكمبيوتر ؟
ü هل يمكنني مقاضاة مزود خدمة الإنترنيت على انقطاع الخدمة ؟
ü هل يمكنني مراقبة أداء الموظفين عبر البريد الإلكتروني ورسائلهم في بيئة العمل؟
ü هل إبرام العقد على الإنترنيت صحيح ؟؟
ü كيف السبيل لإنشاء موقع على الإنترنيت وحماية محتواه من القرصنة ؟
ü هل إرسال رسالة ممازحة عبر البريد الإلكتروني وتكرار ذلك بشكل يثقل نظام المتلقي ويزحمه يشكل مسؤولية قانونية ؟!
ü كيف يجازى من يطلع على أسرار مؤسسته التجارية عبر الدخول إلى نظام الكمبيوتر ؟؟
ü هل تعتبر الرسائل الموقعة رقمياً رسائل صحيحة موقعه مني ؟؟
ü هل إنزال مقطوعة موسيقية عن الشبكة ووضعها على كمبيوتري الشخصي يخلق مسؤولية قانونية ؟؟
إن الكمبيوتر أكثر من مجرد تقنية جديدة، إنه وسيلة مؤثرة في تغيير اتجاهات الثقافة والسلوك إنه يمس كل ما نفعل ويخلق عدد من المسائل القانونية خلال ذلك، حتى أن المفاهيم القانونية الرئيسة والبديهية قد تأثرت ؛ فحتى وقت قريب ما كان أحد يتصور أن الآلة ممثلة بالكمبيوتر قد تقوم بتصرفات أو تبرم عقوداً، لكن الآن ثمة العديد من نظم الكمبيوتر الذكية المرتبطة بشبكة الإنترنيت تقوم بإبرام تصرفات وعقود دون تدخل بشري، الطلبات تجري من كمبيوتر لكمبيوتر، البضائع تنقل والنقود تتداول•••
- ماذا يحصل عندما يحدث خطً في الكمبيوتر أو في إنفاذ أي كمبيوتر للصفقة على نحو خاطئ ؟
- هل يخلُّ الكمبيوتر بالعقد ؟
إن مبالغ ضخمة تستثمر في حقل التكنولوجيا، إنشاء وشراء الشبكات وإطلاق مواقع الإنترنيت (web sites) الاستثمار في قواعد البيانات وعمليات المعالجة، البرمجة وتطوير البرمجيات، الخدمات التقنية بمختلف أنواعها ولو دققنا في هذه الأنشطة لنتبين - مثلا - الجهة التي تقوم بتنظيم عقودها، لاكتشفنا حقيقة غريبة، وهي أن غالبية العقود - خاصة التي تعقد في البيئة العربية - يضعها إداريون وتقنيون وماليون ولكنهم قطعا ليسوا من مجتمع القانون المختص بهكذا أعمال•• لماذا ؟ لأن هكذا عقود تتطلب لإعدادها فهماً وإدراكاً للجوانب التقنية، إدراكاً للجوانب العملية لتصرفات المستهلكين وجهات الإنتاج والخدمة، والاطلاع على الجديد من القوانين• وليس في البيئة العربية فحسب، بل حتى في دول متقدمة، ثمة عقود ضعيفة البناء، فقيرة المحتوى، مع أن جدَّة هذه الموضوعات تفرض عقوداً اكثر عمقاً وتعميقاً لأنها ستمثل في الحقيقة القانون الذي يحكم النزاع، وضعف العقود وثغراتها هو الذي يخلق منازعات متعددة في الواقع العملي• والأصل أن المحامين إذ يتولون إعداد العقود فإنهم يهدفون إلى منع النزاع - على الأقل في المسائل الرئيسة - وترك جانب قليل ليكون محل خصام، ولا يعقل أن تكون التكنولوجيا عاجزة عن منع النزاع، أو بشكل أشد سوءاً، أن تكون هذه العقود السبب في حصوله، عند عدم دقتها وعند اتصافها بالعمومية بما تفتحه من فرصة لكل طرف للتشبث بما يخدم مصلحته ويبرر مسلكه•
إن عقود الكمبيوتر(Computer Contracts) والخدمات التقنية الجيدة - كعقود توريد الأجهزة، ونقل المعرفة، وعقود البرمجيات ورخصها، وعقود الخدمات التقنية في المؤسسات المالية أو عقود خدمات بناء المواقع وإدارتها، والدعم والتطوير وعقود خدمات الإعلان الإلكتروني•••إلخ - هي التي تجيب عن الأسئلة الرئيسة في الحقل أو الموضوع الذي تعالجه :
- ما الذي يؤديه النظام التقني ؟
- كيف تؤدى الخدمة ؟ ما هي خيارات المستخدم ؟
- ما هو الفحص أو المعاينة المقبولة لقبول الأجهزة أو البرمجيات الجديدة ؟
- ما هي كفالة الضمان وما هي شروطها ومدتها ونطاقها ؟ ما هي حدود المسؤولية أهي مطلقة أم مسؤولية محددة، ووفقاً لماذا هي محددة، وما مقدارها، والى أي مدى يتفق تحديد المسؤولية مع قواعد النظام القانوني ؟
- هل ثمة قيود على تحديد المسؤولية في بيئة الكمبيوتر؟
- ماذا عن قواعد حماية المستهلك ؟
- من يملك حقوق الملكية الفكرية؟ لمن تؤول عند انتهاء الشراكات خاصة شراكات الأعمال غير المسجلة ؟ ما هي معايير الخدمة التقنية، السرعة، مدة الانقطاع، المسؤولية عن الانقطاع ؟
- أين يتم حل النزاع، كيف يتم حله، أي قانون يطبق ؟
وقانون الكمبيوتر يختص أيضا بشؤون الشركات العاملة في حقل صناعة الكمبيوتر والبرمجيات والاتصالات أو النقل، شركات تقنية المعلومات (IT Companies ) ، كمزودي خدمات الإنترنيت ('ISP' Internet Service Provider ) ، ومنتجي الكمبيوتر والبرمجيات (Manufacturers ) والموزعين (Distributors ) ومطوري البرامج ومواقع الإنترنيت (Software and web site developers ) ومحللي النظم والشبكات اختصاصي تكاملها (Network integrators ) وغيرها في حقل صناعة الكمبيوتر والشبكات والبرمجيات، وجميعها تتطلع إلى قانون الكمبيوتر لتحمي نفسها وتحقق أغراضها من خلال المشورة القانونية التي يقدمها قانون الكمبيوتر إنهم يحتاجون القانون من أجل عقد الصفقات، رخص الملكية الفكرية، حقوق التوزيع والإعلان، قانونية ما يقدمونه من مواد أو خدمات، أو يحتاجونه لينظم لهم عملية إطلاق خدمات تجارة إلكترونية مثلا أو خدمات إلكترونية أخرى•
قد تحتاج شركات تزويد خدمات الإنترنيت لتعرف حقوقها ومسؤوليتها تجاه الجهات الحكومية، كحقوقها بالنسبة لرخص الاستخدام والخطوط والترددات ونطاق الخدمات ومقابل تقديم الخدمة، وحقوقها والتزاماتها تجاه المشتركين معها، كالمسؤولية عن عدم وصول البريد الإلكتروني، أو مسؤوليتهم عند قيام أحد مشتركيهم بإرسال رسالة تهديد أو رسالة مساس بسمعة الغير أو قيامه بأي عمل غير قانوني عبر الشبكة من خلالهم، وقد تحتاج هذه الشركة معرفة موقف القانون عندما تطلب منها جهة تحقيق، كالشرطة الفدرالية الأمريكية مثلاً (FBI ) ، المعلومات السرية عن المشتركين ومراسلاتهم• وقد يحتاجون القانون - وهم يحتاجونه - عند إبرام صفقات البيع والشراء والاندماج والمشاركة المتصلة بأعمالهم•
الاختصاص بنظر منازعات الإنترنيت، القانون الواجب التطبيق، مشروعية امتداد التحقيق والتفتيش والضبط إلى خارج الحدود، الاعتراف القانوني بوسائل التعاقد الإلكترونية والمراسلات الإلكترونية• حماية البيانات الشخصية من أنشطة الاعتداء، سواء من الغير أم من جهات معالجة هذه البيانات، الأنماط الجديدة في الاستيلاء على المال عبر استخدام الكمبيوتر، أنشطة المساس بنظم الكمبيوتر والمعطيات المخزنة فيها، موقف المحاكم من منازعات الإنترنيت، قبولاً واختصاصاً ومحتوى••• إنها جميعاً من مسائل قانون الكمبيوتر وإلى جوارها مسائل كثيرة أخرى•
إذا، فقانون الكمبيوتر هو كل شيء عن تآلف الكمبيوتر والإنترنيت والفضاء الافتراضي مع النظامين الاقتصادي والقانوني للدولة، إنه مصدر خلق أحكام وإقرار نتائج قابلة للإدراك والتنبؤ بها في ظل التصرفات الافتراضية وفي إطار البيئة الافتراضية، وذلك من خلال قواعد عقدية وقانونية واضحة•ويعد قانون الكمبيوتر لذلك، الفرع القانوني الذي يعنى بالقواعد القانونية الناجمة عن استخدام الكمبيوتر بمفهومه الواسع (الدمج بين الحوسبة والاتصالات ومحتوى المواقع المعلوماتية) وتتصل بعمليات الكمبيوتر أو شبكات المعلومات (وتحديداً الإنترنيت) وبأي تصرف أو سلوك في هذا الإطار يتصل بالمعلومات ونظمها•
إننا في الوقت الحاضر، وبرغم موجات التشريع المتتالية في حقل قانون الكمبيوتر - المتقدم بيانها - لا نزال في مقام تغيب فيه أجوبة للعديد من التساؤلات، وكثير من الأسئلة تعاني من إجابات غير واضحة أو من مواقف غير مؤكدة، والتحدي الأكبر من مجرد إيجاد حلول للقائم من مسائل الكمبيوتر، يتمثل بأننا بقدر ما ندرك حقيقة قانون الكمبيوتر هذه الأيام بقدر ما سنكون قادرين على معرفة اتجاهاته المستقبلية والجديد فيه(4)•
3 • النظام القانوني لحماية المصنفات الرقمية
3-1 ما هو المصنف الرقمي ؟؟
يمكننا أن ندعي أن تحديد مفهوم المصنف الرقمي سيبقى مثار جدل إلى حين سيما وأنه اصطلاح لم ينتشر بعد في حقل الدراسات القانونية، وربما يحتاج تحديد مفهومه إلى شجاعة فقهية ليطلق أحد ما تعريفاً أو توصيفاً له ويصار إلى الحوار حوله تمهيداً للوصول إلى رأي غالب أو إجماع حوله، ولسنا من مدَّعي الريادية في التعامل مع المفاهيم القانونية، لكننا نجد لزاماً علينا في هذه الدراسة تحديداً أن نحدد مفهوم المصنف الرقمي من واقع دراساتنا ومعارفنا في حقل دراسات القانون وتقنية المعلومات، وهو مفهوم مطروح للبحث والحوار وفي ذات الوقت الإطار الذي نعتمده لتحديد المصنفات الرقمية•
كلنا يعلم أن علم الحوسبة برمته قام على العددين (صفر وواحد) ، وأن البرمجيات هي ترتيب لأوامر تتحول إلى أرقام تبادلية، وإن نقل البيانات، رموزاً أو كتابة أو أصواتاً عبر وسائل الاتصال انتقل من الوسائل الكهربية والإلكترومغناطيسية والتناظرية إلى الوسائل الرقمية، وأن الصورة وكذا الصوت والموسيقى والنص في أحدث تطور لوسائل إنشائها وتبادلها أصبحت رقمية على نحو ما أوضحنا في القسم الأول من هذا الكتاب، وحتى عنوان الموقع على الإنترنيت وكذا العنوان البريدي الإلكتروني، تتحول من العبارات المكتوبة بالأحرف إلى أرقام تمثل هذه المواقع وتتعامل معها الشبكة بهذا الوصف• وصحيح أنه لما يزل هناك تبادل تناظري لا رقمي، فالقارئ الآلي في نظام الكمبيوتر (سكانر) يدخل الرسم وحتى الوثيقة على شكل صورة وليس على شكل نص، وصحيح أن العديد من المواقع على الإنترنيت وأغلبها العربية ومواقع اللغات غير الإنجليزية لما تزل تستخدم الوسائل التناظرية في تثبيت المواد على الموقع وليس الوسائل الرقمية• لكن الموقع نفسه، وعبر مكوناته، يتحول شيئا فشيئا نحو التبادل الرقمي لما يحققه من سرعة وجودة وأداء فاعل قياساً بالوسائل غير الرقمية•
ومن الوجهة القانونية، تعاملت النظم القانونية والدراسات القانونية والقواعد التشريعية مع مصنفات المعلوماتية بوصفها تنتمي إلى بيئة الكمبيوتر، وهو اتجاه تعبر عنه دراسات فرع قانون الكمبيوتر في النظم المقارنة، وقد شملت هذه المصنفات ابتداء من منتصف أوائل السبعينات وحتى وقتنا الحاضر ثلاثة أنواع من المصنفات :- البرمجيات، وقواعد البيانات وطبوغرافيا الدوائر المتكاملة• وهي مصنفات جاءت وليدة علوم الحوسبة مستقلة عن علوم الاتصال وتبادل المعطيات وشبكات المعلومات، ومع ظهور شبكات المعلومات، والتي ارتبطت في الذهنية العامة بشبكة الإنترنيت كمعبر عنها وعن التفاعل والدمج بين وسائل الحوسبة والاتصال، ظهرت أنماط جديدة من المصنفات أو عناصر مصنفات تثير مسألة الحاجة إلى الحماية القانونية وهي :- أسماء النطاقات أو الميادين أو المواقع على الشبكة Domain Names ، وعناوين البريد الإلكتروني، وقواعد البيانات على الخط التي تضمها مواقع الإنترنيت، تحديداً ما يتعلق بالدخول إليها واسترجاع البيانات منها والتبادل المتعلق بمحتواها الحاصل على الخط، وهو تطور لمفهوم قواعد البيانات السائدة قبل انتشار الشبكات التي كان مفهوما أنها مخزنة داخل النظام أو تنقل على واسطة مادية تحتويها• ومادة أو محتوى موقع الإنترنيت من نصوص ورسوم وأصوات ومؤثرات حركية (يطلق على المؤثرات الصوتية والحركية للوسائط المتعددة - Multimedia ) ونحن نرى أن المصنف الرقمي يشمل كافة المصنفات المتقدمة، فبرنامج الكمبيوتر من حيث البناء والأداء مصنف رقمي، وقاعدة البيانات من حيث آلية ترتيبها وتبويبها والأوامر التي تتحكم بذلك تنتمي إلى البيئة الرقمية، وذات القول يرد بالنسبة لكافة العناصر المتقدمة، وبالتالي نرى أن أي مصنف إبداعي عقلي ينتمي إلى بيئة تقنية المعلومات يعد مصنفاً رقمياً وفق المفهوم المتطور للأداء التقني وفق اتجاهات تطور التقنية في المستقبل القريب، وهذا لا يؤثر على انتماء المصنف بذاته إلى فرع أو آخر من فروع الملكية الفكرية، ونقصد هنا أن أسماء النطاقات مثلا ينظر لها كأحد المسائل المتعين إخضاعها لنظام الأسماء والعلامات التجارية بسبب ما أثارته من منازعات جراء تشابهها بالعلامات والأسماء التجارية وتطابقها في حالات عديدة أو لقيامها بذات المهمة تقريباً في البيئة الرقمية، والبرمجيات وقواعد المعلومات حسم الجدل بشأنها بأن اعتبرت مصنفات أدبية تحمى بموجب قوانين حق المؤلف - مع وجود اتجاه حديث وتحديداً في أمريكا وأوروبا يعيد طرح نجاعة حمايتها عبر آلية حماية براءات الاختراع - وسيثير محتوى موقع الإنترنيت جدلاً واسعاً، فهل تحمى محتوياته كحزمة واحدة ضمن مفهوم قانون حق المؤلف، أم يجري تفصيل هذه العناصر ليسند اسم الموقع إلى الأسماء التجارية وشعار الموقع إلى العلامات التجارية - كعلامة خدمة مثلاً - والنصوص والموسيقى والرسوم إلى قانون حق المؤلف كمصنفات أدبية ؟؟؟
3-2 تحديد المصنفات الرقمية
من الوجهة التاريخية ابتدأ التفكير بحماية أجهزة الكمبيوتر والاتصالات (المادية) بوصفها معدات ووسائل تقنية المعلومات، فكان نظام براءات الاختراع هو النظام المتناسب مع هذا الغرض باعتبار براءة الاختراع ترد بشأن مخترع جديد يتصف بالابتكارية والجدة وبالقابلية للاستغلال الصناعي• وتتمثل المصنفات الرقمية ببرامج الحاسوب (الكمبيوتر) وبقواعد البيانات وبالدوائر المتكاملة، أما في بيئة الإنترنيت فتتمثل بأسماء نطاقات أو مواقع الإنترنيت، وبمحتوى المواقع من مواد النشر الإلكتروني نصوصاً وصوراً ومواد سمعية ومرئية (الوسائط المتعددة) •
3-2-1 برامج الحاسوب
تعد برامج الحاسوب أول وأهم مصنفات المعلوماتية أو تقنية المعلومات التي حظيت باهتمام كبير من حيث وجوب الاعتراف بها وتوفير الحماية القانونية لها، والبرمجيات هي الكيان المعنوي لنظام الكمبيوتر دونها لا يكون ثمة أي فائدة للمكونات المادية من الأجهزة والوسائط وهي بوجه عام تنقسم من الزاوية التقنية إلى برمجيات التشغيل المناط بها إتاحة عمل مكونات النظام معاً وتوفير بيئة عمل البرمجيات التطبيقية، وتمثل البرمجيات التطبيقية النوع الثاني من أنواع البرمجيات وهي التي تقوم بمهام محددة كبرمجيات معالجة النصوص أو الجداول الحسابية أو الرسم أو غيرها، وقد تطور هذا التقسيم للبرمجيات باتجاه إيجاد برمجيات تطبيقية ثابتة وأنواع مخصوصة من البرمجيات تزاوج في مهامها بين التشغيل والتطبيق، هذا من ناحية تقنية مبسطة جرى إيضاحه تفصيلاً في القسم الأول من هذا الكتاب، أما من ناحية الدراسات والتشريعات القانونية فقد أثير فيها عدد من المفاهيم المتصلة بأنواع البرمجيات، أبرزها برمجيات المصدر وبرمجيات الأدلة والخوارزميات ولغات البرمجة وبرامج الترجمة، ونعرض فيما يلي بإيجاز لهذه المفاهيم :-
1- برنامج المصدر: -هي الأوامر التي يضعها المبرمج أو مؤلف البرنامج وتكون مدركة له لكنها غير مدركة للأدلة التي هي الكمبيوتر كجهاز مادي (وحدة المعالجة تحديداً) ويستخدم في تأليفها أو وضعها لغات البرمجة التي شهدت تطوراً مذهلاً عبر السنوات الخمسين المنصرمة، هذه اللغات التي تختلف من حيث سهولتها وتعقيدها ومن حيث فعاليتها في إنجاز البرنامج للغرض المخصص له•
2- برنامج الآلة : -وهو عكس مفهوم برنامج المصدر تماما، إذ تدركه الآلة وتستطيع التعامل معه وتشغيله، وبين برنامجي المصدر والآلة توجد برامج ذات غرض تحويلي أو (برامج ترجمة) بموجبها تتحول برامج المصدر إلى برامج آلة•
3- الخوارزميات: -العناصر والرموز الرياضية التي يتكون منها بناء البرنامج وهي كالأفكار والحقائق العلمية ليست محل حماية لأنها ليست موضعاً للاستئثار (مادة/29/ من اتفاقية تربس) لكنها متى ما نظمت على شكل أوامر ابتكارية لتحقيق غرض معين أصبحنا أمام برنامج، وهو بهذا الوصف إن توفرت له عناصر الجدة والابتكار والأصالة محل للحماية شأنه شأن أي من مصنفات الملكية الفكرية الأدبية الأخرى•
وقد أثارت برامج الحاسوب جدلاً واسعاً في مطلع السبعينيات بشأن طبيعتها وموضع حمايتها من بين تشريعات الملكية الفكرية، وترددت الآراء بين من يدعو لحمايتها عبر نظام براءات الاختراع لما تنطوي عليه من سمة الاستغلال الصناعي واتصالها العضوي بمنتج مادي صناعي، وبين من ذهب إلى حمايتها عبر نظام الأسرار التجارية إذ تنطوي في الغالب على سر تجاري يتجلى بالأفكار التي بُني عليها أو الغرض من ابتكارها، وبين داع إلى حمايتها عن طريق الشروط العقدية التي تجد مكانها في رخص الاستخدام أو اتفاقيات الاستغلال• لكن كافة هذه الآراء لم تصمد أمام الرأي الذي وجد في البرمجيات عملاً ابتكارياً أدبياً، يضعها ضمن نطاق مصنفات الملكية الأدبية (حق المؤلف) إذ هي أفكار وترتيب لخوارزميات تفرغ ضمن شكل ابتكاري إبداعي، وسماتها وصفاتها المميزة تتقابل مع عناصر الحماية لمصنفات الملكية الأدبية(5)، وبالرغم من استمرار وجود نظم قانونية توفر الحماية للبرمجيات عبر واحد أو أكثر من الآليات المتقدم الإشارة إليها إلا أن الاتجاه التشريعي الغالب اعتبرها أعمالا أدبية وحماها بموجب تشريعات حق المؤلف سيما بعد أن وضعت منظمة الوايبو القانون النموذجي أو الإرشادي عام 1978 بشأن حماية البرمجيات وبعد سلسلة اجتماعات خبراء الوايبو ومنظمة اليونسكو عامي 1983 و1985 التي أسفرت عن توجه عام لاعتبارها من قبيل الأعمال الأدبية، كما إن اتفاقية تربس إذ اعتبرتها كذلك وإضافتها إلى المصنفات الأدبية والفنية محل الحماية بموجب اتفاقية بيرن (م 10/1 ) فيكون الاتجاه الدولي قد حسم لصالح هذا الموقف•
ووفق اتفاقية تربس فان البرمجيات محل للحماية سواء أكانت بلغة الآلة أم المصدر(م 10/1) ولمؤلفها كافة الحقوق المالية والمعنوية لمصنفات حق المؤلف إضافة إلى حقه في إجازة أو منع تأجيرها - شأنها شأن التسجيلات الصوتية والمرئية (م 11)، ويستثنى وفق هذه المادة حالة التأجير التي لا يكون فيها البرنامج الموضوع الأساسي للتأجير• وأما بخصوص مدة الحماية فإنها تمتد إلى 50 عاماً محسوبة على أساس حياة الشخص الطبيعي فإن لم تكن كذلك فمن نهاية السنة التي أجيز فيها النشر أو تم فيها إنتاج العمل (م 12 تربس) •
3-2-2 قواعد البيانات Database :-
قواعد البيانات هي تجميع مميز للبيانات يتوافر فيه عنصر الابتكار أو الترتيب أو التبويب عبر مجهود شخصي بأي لغة أو رمز ويكون مخزناً بواسطة الحاسوب ويمكن استرجاعه بواسطتها أيضا•
ومناط حماية قواعد البيانات - بوجه عام - هو الابتكار كما عبرت عنه الاتفاقيات الدولية في هذا الحقل فالمادة 2/10 من اتفاقية تربس نصت على أنه:- تتمتع بالحماية البيانات المجمعة أو المواد الأخرى سواء كانت في شكل مقروء آلياً أو أي شكل آخر إذا كانت تشكل خلقاً فكرياً نتيجة انتفاء وترتيب محتواها، كما نصت المادة 5 من الاتفاقية العالمية للملكية الفكرية لسنة 1996 - التي نفذت مؤخراً - على أنه : - تتمتع مجموعات البيانات أو المواد الأخرى بالحماية بصفتها هذه أياً كان شكلها إذا كانت تعتبر ابتكارات فكرية بسبب محتواها أو ترتيبها لكن لا تجرى كافة النظم القانونية والقوانين على هذا النهج، فالتوجيهات الصادرة عن الاتحاد الأوربي في 1996/3/11 والقانون الفرنسي الصادر في عام 1998 لا يشترطان شرط الابتكار لحماية قواعد البيانات، بل يكفي ما بذل من جهد مالي أو بشري أو مادي وما أنفق من أجل إعداد قاعدة البيانات وسنداً لذلك فان القانون الفرنسي المشار إليه يحمي قواعد البيانات لمدة خمس عشرة سنة ويحظر أي إعادة استعمال سواء لجزء أو لمادة كلية من قاعدة البيانات عن طريق توزيع نسخ أو الإيجار أو النقل على الخط ويحظر النقل الكلي أو الجزئي - الجوهري - من محتوى قاعدة البيانات بأي شكل، متى كان الحصول أو تقديم هذا المحتوى قد استلزم استثمارات جوهرية كماً وكيفاً، وسواء أكان النقل دائما أم مؤقتا على دعامة بأي وسيلة أو تحت أي شكل•
والابتكار يستمد إما من طبيعة البيانات نفسها وإما من طريقة ترتيبها أو إخراجها أو تجميعها أو استرجاعها، ومحتوى البيانات في حد ذاته لا يعتبر عملاً ابتكارياً، ومن هنا فان الابتكار لا يتحقق إلا إذا عكست قاعدة البيانات سمات شخصية لواضعها، وقد قضت محكمة (نانت) التجارية الفرنسية في عام 1998 بأن الابتكار الذي يتعلق بقاعدة بيانات على الإنترنيت يقتضي توافر جهد جاد في البحث والاختيار والتحليل والذي عندما يقارن بمجرد التوثيق تظهر أهمية الجهد المبتكر للعمل(6) أما قضاء محكمة النقض المصرية فإنه يتوسع في مفهوم الابتكار، فقد قضت محكمة النقض المصرية عام 1964 بأن فهرسة إحدى كتب الأحاديث النبوية يعد عملاً ابتكارياً لأنه يكفي أن يكون عمل واضعه حديثاً في نوعه ويتميز بطابع شخصي خاص وأنه يعتبر من قبيل الابتكار في الترتيب أو التنسيق أو بأي مجهود آخر أن يتسم بالطابع الشخصي(7)•
وعليه، فإن البيانات أو المعلومات المخزنة في نظم الحواسيب (بشكل مجرد) ليست محل حماية، كما بالنسبة للقوانين والأنظمة وقرارات القضاء مثلاً، لكنها متى ما أفرغت ضمن قاعدة بيانات وفق تصنيف معين وبآلية استرجاع معين ومتى ما خضعت لعملية معالجة تتيح ذلك فإنها تتحول من مجرد بيانات إلى قاعدة معطيات، وينطوي إنجازها بهذا الوصف على جهد ابتكاري وإبداعي يستوجب الحماية، وبتزايد أهمية المعلومات، ولما حققته بنوك المعلومات من أهمية قصوى في الأعمال والنشاط الإنساني بوصفها أمست ذات قيمة مالية كبيرة بما تمثله، وباعتماد المشروعات عليها، ولتحول المعلومة إلى محدد استراتيجي لرأس المال، بل إن البعض يراه مرتكزاً لا محدداً فقط، نشط الاتجاه التشريعي في العديد من الدول لتوفير الحماية القانونية لقواعد البيانات•
والاعتراف لقواعد البيانات بالحماية جاء وليد جهد واسع لمنظمة الوايبو ولمجلس أوروبا الذي وضع عام 1996 قواعد إرشادية وقراراً يقضي بالنص على حماية قواعد البيانات ضمن قوانين حق المؤلف•
3-2-3 طــوبوغرافــيا الدوائر المتكاـملة Topographies of integrated Circuits
مثلت أشباه الموصلات فتحاً جديداً ومميزاً في حقل صناعة الإلكترونيات وتطوير وظائف التقنية العالية اعتباراً من منتصف القرن المنصرم، ومع تطور عمليات دمج الدارات الإلكترونية على الشريحة للقيام بمهام ووظائف إلكترونية أصبح التميز والخلق الإبداعي يتمثل بآليات ترتيب وتنظيم الدوائر المدمجة على شريحة شبه الموصل، بمعنى أن طوبوغرافيا الشريحة انطوى على جهد إبداعي مكن من تطوير أداء نظم الحواسيب بشكل متسارع وهائل وبالاعتماد على مشروع قانون الحماية التي أعدته اللجنة الأوربية أصدر مجلس أوروبا عام 1986 دليلا لحماية الدوائر المتكاملة بغرض توفير الانسجام التشريعي بين دول أوروبا بهذا الخصوص، وفي عام 1989 أبرمت اتفاقية واشنطن بشأن الدوائر المتكاملة (أي المنتجات التي يكون غرضها أداء وظيفة إلكترونية) ووفقا لإحصاء 1999 فإن عدد الدول الموقعة على هذه الاتفاقية 8 دول ليس من بينها سوى دولة عربية واحدة هي مصر، ولم تدخل هذه الاتفاقية حيز التنفيذ بعد، لكن تنظيم اتفاقية تربس لقواعد حماية الدوائر المتكاملة(المواد 35 - 38) ساهم في تزايد الجهد التشريعي في هذا الحقل باعتبار أن من متطلبات العضوية إنفاذ موجبات اتفاقية تربس التي من بينها اتخاذ التدابير التشريعية المتفقة مع قواعدها ومن بينها طبعا قواعد حماية الدوائر المتكاملة•
3-2-4 المصنفات الرقمية في بيئة الإنترنيت
من الوجهة القانونية تثير الإنترنيت العديد من المشكلات على نحو مستقل عن عالم الحوسبة والاتصالات وإن كانت هذه المشكلات في حقيقتها تمثل جزءاً من مشكلات تقنية المعلومات برمتها ومثارة في بيئتها، ويمكن تأطير هذه المشاكل ضمن ثلاث طوائف:
الأولى: -مشكلات عقود الإنترنيت ابتداءً من عقود الاشتراك في الخدمة مروراً بالعقود ذات المحتوى التقني، وعقود الجهات ذات العلاقة بمواقع الإنترنيت أو عقود المستخدمين مع المواقع بما فيها عقود طلب الخدمات والتسوق الإلكتروني وعقود الخدمات المدفوعة والمجانية كعقود البريد الإلكتروني ورخص استخدام وتنزيل البرامج وعقود ورخص نقل التكنولوجيا وغيرها من العقود التي تقع في نطاق العقود الإلكترونية أو العقود المبرمة عبر المراسلات الإلكترونية• والجامع المشترك بين هذه العقود والتصرفات المتصلة بالإنترنيت أنها تتعلق بالتنظيم القانوني للتعامل مع الإنترنيت وعبرها(8)•
والثانية :- مشكلات حماية حقوق المستخدمين والمتعاملين في بيئة الإنترنيت وتضم حقوق المستهلك بوجه عام وحماية الحق في الحياة الخاصة وحماية حقوق الملكية الفكرية في بيئة الإنترنيت•
أما الثالثة :- فتتصل بمشكلات أمن المعلومات سواء بالنسبة لمواقع الإنترنيت أو أنظمة المستخدمين•
أما عن الطائفة الأولى فإن محل تناولها دراسات الأعمال الإلكترونية والتجارة الإلكترونية والبنوك الإلكترونية (9)، وبالنسبة للطائفة الثانية، فإن موضع دراستها يستتبع الفرع محل الدراسة، فدراسة حماية الحياة الخاصة مناطه دراسات حقوق الإنسان وتأثرها بتقنية المعلومات أو الدراسات الجنائية الخاصة بأمن المعلومات محل دراسة الطائفة الثانية المشار إليها، ودراسة حماية المستهلك يكون مناطه الدراسات القانونية في حقل ميادين حماية المستهلك من المخاطر الاقتصادية والصحية والثقافية والاجتماعية وغيرها• وبالنسبة لحماية حقوق الملكية الفكرية في بيئة الإنترنيت فإن محل تناولها دراسات الملكية الفكرية عموما ودراسات حق المؤلف على وجه الخصوص• أما الطائفة الثالثة فإن محل تناولها دراسات أمن المعلومات وجرائم الكمبيوتر والإنترنيت والاتصالات(10)•
والحماية القانونية لحقوق الملكية الفكرية في بيئة الإنترنيت تثير التساؤل ابتداء بشأن تحديد حقوق الملكية الفكرية في بيئة الإنترنيت، وتحديد المصنفات محل الحماية، واستقصاء الحماية اللازمة لمواجهة الاعتداءات والمخاطر التي تعترض هذه الحقوق، وتقييم ما إذا كانت القواعد القائمة ضمن تشريعات الملكية الفكرية أو غيرها من التشريعات كافية لتوفير الحماية لهذه الحقوق أم أن هناك ثمة حاجة لتشريعات خاصة بالمصنفات محل الحماية في بيئة الإنترنيت، وهذه المسائل لما تزل مثار جدال ومحل بحث، ونعرض فيما يلي لأبرز المسائل المتصلة بأسماء النطاقات والنشر الإلكتروني والوسائط المتعددة أو محتوى الموقع كمقدمة لدراسات أكثر تعمقا فيما تثيره هذه الموضوعات من إشكالات قانونية•
ü أسماء نطاقات (عناوين) الإنترنيت Domain names
اسم النطاق أو الميدان أو الموقع (دومين نيم - Domain name ) هو في الحقيقة عنوان إنترنت، فالهاتف له رقم معين (مثل 555555-6-0096) والعنوان البريدي له رقم صندوق مميز ورمز منطقة مميز (وسط البلد ص•ب 2325 رمز 11118)وللإنترنت أيضا عنوان مميز مثل(www.arablaw.org )(11)• وقد احتدم النزاع حول أسماء نطاقات الإنترنيت، ومعمارية شبكة الإنترنيت والجهات التي تسيطر عليها، وستكون مسائل أسماء المواقع أكثر المسائل إثارة للجدل التنظيمي والقانوني في الفترة القريبة القادمة، وقد حسم جانب من الجدل مؤخراً حول إضافة مميزات جديدة للميزات المشهورة (com,net,org,gov,edu ) وذلك بإقرار إضافة سبعة مميزات أخرى(12)، ويرجع الخبراء مشكلات أسماء النطاقات في بيئة الإنترنيت إلى استراتيجيات الشركات الكبرى في هذا الشأن، فهي التي قادت لواء معارضة توسيع أسماء النطاقات، حماية لأسمائها التجارية، بل وتشكو في الوقت ذاته، من صعوبة السيطرة على النظام الحالي فهذه الشركات تخشى من أن تضطر لتسجيل مئات من عناوين المواقع على شبكة ويب، تفادياً للوقوع فريسة " المتوقعين الفضائيين" cybersquatters ، الذين يعتمدون على التوقعات لكسب الأموال (مثل ما يحدث في سوق العلامات التجارية والمضاربات المالية)، والذين يقومون في عصر الإنترنيت، بحجز أسماء نطاقات شائعة الاستعمال، لبيعها مستقبلا لمن يرغب•
غير أن المسألة ليست مقتصرة على هذا الجانب وحده،إذ توجد مسائل تقنية تستدعي الإجابة عليها، مثل : كم عنوانا يلزم إضافته ؟ وأي منها ؟ ومن الذي يتحكم بها ؟ ومن يبيع العناوين الجديدة ؟ ومن الذي سيفصل في النزاعات التي ستنشأ ؟
لقد أوجدت الحكومة الأمريكية في عام 1998، مؤسسة تسجيل أسماء وأرقام إنترنيت Internet Corporation for Assigned Names and Numbers - ICANN ، وهي منظمة غير ربحية، مقرها في لوس انجلوس، للإشراف على نظام أسماء النطاقات على إنترنيت، غير أن ICANN(13) تورطت منذ إنشائها، في نزاع مكلف ومرير، حول ميثاقها، بشأن السماح لشركات جديدة ببيع أسماء نطاقات شبكة ويب ذات الامتداد•com و•net و•org وهي عملية مدرة للأرباح كانت مقيدة حصراً بشركة Network Solutions Inc ، بموجب عقد لها مع الحكومة الأمريكية• وقد توصلت شركة Network Solutions ، ومنظمة ICANN ، إلى تسوية خلافاتهما، بموجب اتفاقية، تحتفظ بموجبها Network Solutions ، بقائمة أساسية لأسماء النطاقات التجارية الحالية على شبكة ويب، مدة أربع سنوات أخرى مقابل دفع مبلغ لمنظمة ICANN•(14)
إن السنوات القليلة القادمة ستشهد حرباً طاحنة بشأن سياسات التعامل مع عناوين المواقع على الإنترنيت وكما تذهب المعالجات والدراسات الاستراتيجية التي تنشر يشكل مكثف على شبكة الإنترنيت، فإن من يسيطر على مقدرات هذا الموضوع سيسيطر على طريق المعلومات السريع(15)•
وتعمل شركات عالمية في حقل تسجيل المواقع إضافة إلى خدمات استضافتها وتصميمها، أما المواقع التي تنتهي باسم الدولة فتختص بها جهة واحدة إضافة إلى هيئة معنية في الدولة، ونشارك البعض اعتقادهم أن تأسيس هيئة ICANN خطوة للتمهيد إلى خلق ما يسمى حكومة الإنترنيت التي ستسيطر على مقدرات طريق المعلومات السريع وتتحكم بمصادر المعلومات في العالم•
وحتى الآن لا توجد ثمة تشريعات شاملة ناظمة لمسائل أسماء النطاقات وما أثارته من إشكاليات قانونية خاصة عندما يكون الاسم مطابقاً أو مقارباً أو مشابهاً لاسم تجاري أو علامة تجارية طبعاً إذا ما استثنينا القواعد التشريعية التنظيمية للخدمات التقنية على الخط ومعايير تقديمها وقواعد حماية المستخدم من مخاطر المحتوى الضار التي سنتها العديد من الدول الغربية، إلا أن القضاء الأوربي وتحديداً في فرنسا تصدى لنظر عدد من الدعاوى بهذا الخصوص(16)، لكن مناط التطبيق بشأنها كان قوانين العلامات التجارية وقواعد حماية العلامات التجارية وليس قواعد قانونية خاصة بأسماء النطاقات، وقد أثير في هذه الدعاوى مسائل التشابه بين اسم النطاق والعلامة التجارية للغير أو الاسم التجاري للغير، وظهر جلياً من هذه الدعاوى أن التحدي القريب القادم سيكون في حقل إيجاد قواعد قانونية تنظم تسجيل أسماء النطاقات وتصنيفها وعلاقتها بالعلامات والأسماء التجارية• وتعد الاستراتيجية التي أنجزتها منظمة الوايبو في حقل أسماء النطاقات(17)، وما تقوم به من نظر مثل هذه المنازعات عبر مركز التحكيم والوساطة التابع للمنظمة الجهد الأميز نحو بناء نظام قانوني لأسماء المواقع•
ü النشر الإلكتروني والوسائط المتعددة (محتوى مواقع الإنترنيت)
الإنترنيت، بوصفها طريقة اتصال تتيح تبادل المعلومات ونقلها بكافة صورها، مكتوبة ومرئية ومسموعة، وباعتبارها ليست مجرد صفحات للمعلومات بل مكاناً للتسوق وموضعاً للأعمال والخدمات، وفضاء غير متناه من الصفحات لنشر الأخبار والمعالجات والمؤلفات والأبحاث والمواد، فإن محتوى مواقعها يتضمن الإعلان التجاري والمادة المؤلفة والبث المرئي، والتسجيل الصوتي و•••• الخ، وهذا يثير التساؤلات حول مدى القدرة على حماية حقوق الملكية الفكرية على ما تتضمنه المواقع، والذي قد يكون علامة تجارية أو اسماً أو نموذجاً صناعياً أو مادة تأليفية أو مادة إعلان فنية أو رسماً أو صورة أو••• الخ•
ليس ثمة إشكال يثار في حالة كان محتوى الموقع مصنفاً أو عنصراً من عناصر الملكية الفكرية التي يحظى بالحماية بشكل مجرد بعيداً عن موقع الإنترنيت، كعلامة تجارية لمنتجات شركة ما تتمتع بالحماية استخدمتها الشركة على موقعها على الإنترنيت، فما ينشر على الموقع هو بالأساس محل حماية بواحد أو أكثر من تشريعات الحماية في حقل الملكية الفكرية، لكن الاشكال يثور بالنسبة للمواد والعلامات والأشكال والرسومات التي لا يكون ثمة وجود لها إلا عبر الموقع، وبشكل خاص عناصر وشكل تصميم الموقع والمواد المكتوبة التي لا تجد طريقاً للنشر إلا عبر الخط (أي على الإنترنيت)، إن هذه الإشكالات لما تزل في مرحلة بحث وتقصي واسعين من قبل خبراء القانون والملكية الفكرية في مختلف الدول، سيما بعد شيوع التجارة الإلكترونية وإنجاز العديد من الدول قوانين تنظمها، باعتبار أن أحد تحديات التجارة الإلكترونية مسائل الملكية الفكرية، وفي هذا الصدد فإنه من المفيد الإشارة إلى أن لجنة التجارة الدولية في هيئة الأمم المتحدة (اليونسترال) قد وضعت مشروع قانون نموذجي للتجارة الإلكترونية عام 1996 اعتمد أساساً لصياغة ووضع العديد من التشريعات الأجنبية المنظمة للتجارة الإلكترونية، لكن هذا القانون النموذجي لم يتعرض لمسائل الملكية الفكرية المثارة في بيئة التجارة الإلكترونية لما تنطوي عليه من إشكاليات وتناقضات حادة•
أما بالنسبة للوسائط المتعددة المستخدمة على نحو متنام في ميدان بناء ومحتوى مواقع الإنترنيت، فإنه يقصد بها وسائل تمثيل المعلومات باستخدام أكثر من نوع من الوسائط مثل الصوت والصورة والحركة والمؤثر ويتميز هذا المصنف - إن جاز اعتباره كذلك - بمزج عدة عناصر :- نص، صورة،صوت، وتفاعلها معاً، عن طريق برنامج من برامج الكمبيوتر، وتسوق تجارياً عن طريق دعامة مادية مثل الدسك أو السي دي (CD)أو يتم توزيعها أو إنزالها عن طريق خط الاتصال بشبكة الإنترنيت، ويرى جانب من الفقه(18) أن هذه المصنفات محمية بموجب القواعد العامة لحماية المصنفات الأدبية دون حاجة لإفراد قواعد جديدة، باعتبارها - لدى البعض - تتميز بتدخل برنامج كمبيوتر يسمح بالتفاعل بين وسائل التعبير المتعددة (وبرنامج الكمبيوتر محل حماية) أو لأنها بمفرداتها محل حماية باعتبار هذه المفردات من المصنفات الأدبية أصلا :- المواد المكتوبة، المواد السمعية والمرئية، الأداء•• الخ• وكلما توفر فيها عنصر الابتكار تحقق شرط الحماية المطلوب لحماية المصنفات الأدبية• أو باعتبارها من قبيل قواعد البيانات المحمية بموجب نصوص صريحة•
والابتكار في ميدان الإنترنيت ليس شرط حماية فقط، بل عنصراً رئيساً في وجود الموقع وتحقيق النجاح والقدرة على المنافسة، ويظهر الابتكار في تصميم صفحة الويب (الموقع) وما تتضمنه من رسومات أو ما يصاحبه من موسيقى أو عناصر حركية كما يتوفر الابتكار في المواد الصحفية والتقارير الإخبارية المنشورة عبر الإنترنيت(19)•
إن موضوع حق المؤلف والبيانات الرقمية Copyright and Digital Data لا يزال في نطاق البحث والتقصي، ومع ذلك فقد أنجز الكثير منه في الوقت الحاضر سواء على المستوى الدولي أم الوطني، وتهيأ اتفاقيتا المنظمة العالمية للملكية الفكرية بشأن حق المؤلف والحقوق المجاورة لعام 1996 إلى الانطلاق نحو بناء نظام قانوني لحماية المحتوى الرقمي، وهو ما سنتناوله تفصيلا في الكتاب الثالث من هذه الموسوعة• ونكتفي في هذا المقام بالقول إن أحد أكثر الأخطاء الشائعة في حقل قانون الكمبيوتر أن حق المؤلف لا ينطبق على البيانات الرقمية (Digital Data ) وتحديداً في بيئة الإنترنيت• إن قوانين حق المؤلف قد تنطبق على بيئة الإنترنيت وفقاً للنظام القانوني مدار البحث وثمة جهد دولي واسع لتمتد الحماية للبيئة الرقمية تماما كما تحققت في عالم الموجودات والحسيات، وليس معنى تخلف الحماية وأحيانا الجدل حول توفرها إهدار حق المؤلف مثلا في بيئة الإنترنيت، فحتى في بيئة الإنترنيت، فإنك لا تزال بحاجة إلى إذن المؤلف (Author's permission )
4•• موقف النظام القانوني العربي من حماية المعلومات والمصنفات الرقمية
4-1 حماية المعلومات وتشريعات تقنية المعلومات
في إشارات مختصرة لا يتسع المقام للوقوف على مسائلها تفصيلا، يمكننا أن نؤكد على الحقائق التالية بشأن حماية المعلومات وتشريعات تقنية المعلومات بوجه عام (عدا تشريعات حماية المصنفات الرقمية في نطاق الملكية الفكرية التي نفرد لها بنداً خاصاً فيما يلي) :-
1- لم تخضع قوانين العقوبات العربية إلى أي تعديل يتيح تجريم مختلف صور جرائم الكمبيوتر أو يتيح المساواة بين المعلومات (المعنوية) وبين الأشياء المادية الصالحة كمحل لجرائم الاعتداء على الأموال والمساواة بين المؤسسات المادية في الجرائم وتلك السلوكيات المعنوية أو البيئة الافتراضية، كالمساواة ما بين التزوير في الوثيقة الإلكترونية والمحرر المادي، ولهذا تبقى جرائم الكمبيوتر خارج نطاق التجريم في النظام القانوني العربي لانتفاء النص عليها، ولامتناع القياس في المواد الجنائية الموضوعية الذي يتيح قياس صورها على الجرائم التقليدية، وليس في الدول العربية أي قانون خاص لتجريم جرائم الكمبيوتر والإنترنيت بالمعنى والمستوى القانوني المقرر في التشريعات المقارنة، وثمة نصوص ضيقة قد توصف إنها عامة وردت في تشريعات التجارة الإلكترونية التي أقرت في الأردن ودبي وتونس بخصوص تجريم التلاعب برسائل البيانات أو ارتكاب الجرائم عبر الوسائل الإلكترونية، ونجدها فرصة في هذا المقام لنقول أن مثل هذا المستوى من التدخل التشريعي لا يتفق البتة مع الموضوع محل التنظيم ولا مع الأحكام المتعين أن تتضمنها التدابير التشريعة في حقل جرائم الكمبيوتر، ونشير أخيراً إلى أن قوانين الاتصالات العربية خاصة تلك التي شهدت تعديلات في ضوء التواؤم مع متطلبات منظمة التجارة الدولية تضمنت نصوصاً تجرم الاعتداء على الكيانات المادية للشبكات ونصوصاً تحظر استغلال الشبكات الاتصالية في أنشطة غير مشروعة•
2- برغم وجود أطر قانونية تنظم بنوك المعلومات وقواعد البيانات المركزية في عدد من الدول العربية إلا أنه لا يوجد تشريع متكامل في حقل الخصوصية في أي من الدول العربية، وثمة أفكار أو مشاريع في هذا الحقل في الأردن والإمارات، وبالتالي تظل البيانات المتعلقة بالأشخاص والحياة الخاصة دونما تنظيم كافي ودونما حماية كافية رغم الحاجة الملحة إلى ضبط استخدام ومعالجة ونقل البيانات الشخصية في البيئة الرقمية، وما تتيحه أنشطة الاعتداء على هذه البيانات من مساس جوهري بحقوق الإنسان بل وبثقة المستهلك بوسائل التقينة واستخداماتها•
3- باستثناء التعديل الذي حصل على قانون البيانات الأردني ومشروع تعديل قانون أصول المحاكمات اللبناني، لم تشهد قوانين الإثبات العربية تعديلات في حقل حجية مستخرجات الكمبيوتر والمواد الإلكترونية في النزاعات الحقوقية والتجارية(20)•
4- في ميدان التجارة الإلكترونية والأعمال الإلكترونية، أقرت الأردن ودبي وتونس تشريعات عالجت موضوع التجارة الإلكترونية، وتكاد تتفق جميعاً في بنائها الذي يعتمد على القانون النموذجي للتجارة الإلكترونية الذي وضعته لجنة اليونسترال(لجنة قانون التجارة في الأمم المتحدة) عام 1996 • ومع ذلك، وحتى في هذه الدول التي وضعت هذه التشريعات، فإن النقص التشريعي لا يزال قائماً في الحقول التي تتيح تفعيل هذه التشريعات ووضعها موضع التطبيق، فليس ثمة تنظيم لسلطات توثيق المعاملات الإلكترونية وليس ثمة تشريعات للمعايير الأمنية أو المعايير القياسية لخدمات التقنية وليس ثمة حسم لكثير من المشكلات الرئيسة في ميدان التجارة الإلكترونية كمسائل الضرائب على الإنترنيت ومسائل الخصوصية وغيرها، ولا أبالغ إن قلت أن سياسات الاستنساخ التشريعية والنقل والترجمة عن القوالب الجاهزة دون مراعاة للنظام القانوني أو تعمق في المسالة محل التنظيم أدى إلى ولادة تشريعات تشوبها النواقص وتطال أحكامها المطاعن والأهم من ذلك أنها لم تتح تحقيق الغرض الذي وضعت من أجله•
5- لم يجر إقرار أي تشريع عربي في حقول المعايير الأمنية أو القياسية لتقنية المعلومات أو في حقول الإجراءات الجنائية الملائمة للأفعال التي تستهدف المعلومات وقواعدها وشبكاتها•
6- انحصر التلاقي بين النظام القانوني العربي وبين موجات تشريعات تقنية المعلومات في ميدان حماية المصنفات الرقمية وتحديداً حماية البرامج وقواعد البيانات والدوائر المتكاملة عبر تشريعات حق المؤلف أو تشريعات خاصة كما في قوانين حماية طبوغرافيا الدوائر المتكاملة، وليس ثمة أي تشريع في الوقت الحاضر ينظم حماية عناصر الإنترنيت ومواقع المعلوماتية، وهذا ما نقف عليه تفصيلا في البند التالي•
هذه ملامح عامة قد لا تعطي الصورة الواضحة دون سبر غور كل منها على نحو مفصل، وهو ما لا يتسع المقام له، ولذا نقف تفصيلا على مسائل المصنفات الرقمية محيلين القارئ الكريم إلى مؤلفاتنا المشار إليها في الهوامش السابقة بخصوص جرائم الكمبيوتر والخصوصية والتجارة الإلكترونية والإثبات الإلكتروني وغيرها من موضوعات حماية المعلومات وتنظيم تقنية المعلومات•
4-2 النظام القانوني العربي للملكية الفكرية وحماية المصنفات الرقمية
4-2-1 في نظام الملكية الفكرية العربي بوجه عام
اهتمت الدول العربية مبكراً بمسائل الملكية الفكرية، حتى أننا نجد بعضها قد ساهم في الجهد الدولي لحماية الملكية الفكرية اعتباراً من القرن التاسع عشر كما هو حال الجمهورية التونسية، وأن عدداً من الدول العربية كان من الدول الأساسية في عضويتها لعدد من اتفاقيات الملكية الفكرية الدولية كما سنوضح•
ومن خلال إجراء المسح التشريعي للوقوف على نطاق الحماية المقررة في الدول العربية لمصنفات الملكية الفكرية في حقلي الملكية الأدبية والصناعية، فإننا نجد أن كافة الدول العربية تقريباً تتوفر لديها قوانين في ميدان حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة (الملكية الأدبية) وميدان براءات الاختراع والتصاميم الصناعية (الرسوم) والعلامات التجارية (الملكية الصناعية) على التفصيل الوارد في الجدول رقم 1 التالي، أما في حقل الأسرار التجارية (كتشريع مستقل) فليس ثمة غير القانون الأردني، وبالنسبة للمؤشرات الجغرافية نجد أن دولتين هما الأردن وسلطنة عمان قد أقرتا تشريعات في هذا الصدد، وبالنسبة للدوائر المتكاملة نجد تشريعات جديدة في هذا الحقل في كل من الأردن وعمان وتونس، وبالنسبة لحماية الأصناف الجديدة من النباتات الدقيقة فإن الأردن وتونس فقط من بين الدول العربية التي أقرت تشريعات في هذا الحقل•
إن استجابة الدول العربية لحماية الملكية الفكرية تبدو عالية بالنظر لموجات التشريعات التي تظهر فيها فإذا كانت الخمسينيات قد شهدت موجة تشريع واسعة في غالبية الدول العربية في حقل حماية براءات الاختراع والعلامات التجارية والتصاميم الصناعية، فإن الثمانينيات والتسعينيات شهدت موجة واسعة من التدابير التشريعية في حقل حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة وشهد مطلع التسعينيات إقرار قوانين عديدة أو تعديل القوانين القائمة لجهة حماية برامج الحاسوب وقواعد البيانات ضمن قوانين حماية حق المؤلف •
أما نهاية التسعينيات وعام 2000 فقد شهدت موجة تشريعية في ميدان حماية الأسرار التجارية والمؤشرات الجغرافية وطبوغرافيا الدوائر المتكاملة وحماية أصناف النباتات الدقيقة، مترافقاً مع تطوير وتعديل على قوانين الملكية الفكرية الأخرى، ومرد ذلك تلبية متطلبات العضوية في منظمة التجارة العالمية وما يوجبه ذلك من تلبية متطلبات اتفاقية تربس (اتفاقية الملكية الفكرية) التي نصت على هذه الحماية• وتمثل الأردن وسلطنة عمان وتونس النماذج الأكثر استجابة من بين الدول العربية لهذه المتطلبات حيث تكاد تتطابق التدابير التشريعية فيها والتي تعكس تقيداً بما تتطلبه اتفاقية تربس في الموضوعات المشار إليها•
أما بالنسبة لموقف الدول العربية من الاتفاقيات الدولية في حقل الملكية الفكرية، فيمكننا القول أن غالبية الدول العربية هي أعضاء في أهم ثلاثة اتفاقيات وهي اتفاقية إنشاء المنظمة العالمية للملكية الفكرية واتفاقية بيرن للملكية الأدبية واتفاقية باريس للملكية الصناعية، أما الاتفاقيات الأخرى والتي تنضوي تحت أي من هذين الموضوعين (الملكية الأدبية أو الصناعية) فإن عدد الدول العربية المنضمة إليها قليل جداً، وبالعموم تحتل مصر المركز الأول بين الدول العربية في عدد الاتفاقيات التي انضمت إليها وتبلغ 11 اتفاقية من أصل 24 (عدا تربس) ثم المغرب (10 اتفاقيات) فتونس (9 اتفاقيات) ثم الجزائر (8 اتفاقيات) فلبنان (6 اتفاقيات)• ويوضح الجدول 2 تالياً مواقف الدول العربية من اتفاقيات الملكية الفكرية التي ترعاها وتديرها المنظمة العالمية للملكية الفكرية، ويشير إلى سنة انضمام الدولة إلى الاتفاقيات المذكورة، أما بالنسبة لاتفاقية تربس فإن عضوية أي من الدول العربية في منظمة التجارة العالمية يجعلها عضواً ملتزماً بأحكام هذه الاتفاقية•
ونشير في هذا المقام، إلى أن عضوية الدولة في اتفاقية تربس سيجعلها ملزمة حكماً بما أحالت إليه من اتفاقيات في ميدان الملكية الفكرية، وهي بشكل رئيس اتفاقيتا بيرن وباريس إضافة إلى اتفاقية روما واتفاقية واشنطن المتعلقة بالدوائر المتكاملة (طبعا في حدود المواد التي أشارت إليها اتفاقية تربس من بين مواد هذه الاتفاقيات)، كما أن إنفاذ أحكام بعض الاتفاقيات والقوانين الوطنية السائدة في الدولة يطرح بإلحاح وجوب وقوف الدول العربية أمام مختلف هذه الاتفاقيات وبحث مدى الافادة من العضوية فيها والالتزام بها، اذ ليس كل اتفاقية ترتب بالضرورة التزامات فقط، بل إن جزءا منها يحل مشكلات عملية ويساهم في سلامة نظام الحماية، كما هو الحال بالنسبة لاتفاقيات التصنيف في ميدان العلامات التجارية وعلامات البضائع وغيرها من اتفاقيات الاتحادات الدولية والاتفاقيات الإجرائية والتنظيمية• ونرى في هذا المقام وجوب خضوع سائر هذه الاتفاقيات للدراسة الشاملة لدى كل دولة بالمقارنة مع نظامها القانوني وما هو مقرر لديها من قواعد تشريعية واستراتيجيات عملية في ميدان الملكية الفكرية لجهة بناء موقف صحيح من العضوية فيها• (الجدول رقم 1)
تشريعات الملكية الفكرية في الوطن العربي
تشريعات الملكية الفكرية في الوطن العربي
جزء 1: حقوق المؤلف وبراءات الاختراع والرسوم الصناعية
ملاحظة :- تعطى كل اتفاقية الرقم الوارد إزاءها، وتعبأ الخانة الموازية في الجدول (للدلالة على أن الدولة عضو في الاتفاقية) بالسنة التي انضمت فيها الدولة وجميع الأعوام ترجع للقرن العشرين(1900) عدا الدول المنضمة في القرن التاسع عشر فيسبق الرقم رقم 8 وعند عدم توفر السنة تستخدم الإشارة (ü)•
مفتاح/ مرجعية الجدول رقم 2:
1- اتفاقية إنشاء المنظمة العالمية للملكية الفكرية
2- اتفاقية بيرن لحماية المصنفات الأدبية والفنية
3- الاتفاقية الدولية لحماية فناني الأداء ومنتجي التسجيلات الصوتية - اتفاقية روما
4- اتفاقية حماية منتجي التسجيلات الصوتية ضد النسخ غير المشروع - جنيف
5- اتفاقية توزيع البرامج حاملة الإشارات عبر التوابع الصناعية - بروكسل
6- اتفاقية التسجيل الدولي للمصنفات السمعية والبصرية - جنيف
7- اتفاقية الدوائر المتكاملة - واشنطن•
8- اتفاقية باريس لحماية الملكية الصناعية•
9- اتفاقية ستراسبورغ بشأن التصنيف الدولي لبراءات الاختراع•
10- اتفاق بودابست بشأن الاعتراف الدولي بإيداع الكائنات الدقيقة لأغراض تقديم البراءات•
11- اتفاقية التعاون الدولي بشأن البراءات - اتحاد PCT•
12- اتفاقية مدريد بشأن التسجيل الدولي للعلامات التجارية•
13- اتفاق نيس بشأن التصنيف الدولي للبضائع والخدمات لأغراض تسجيل العلامات - اتحاد نيس
14- اتفاق فينا المنشيء للتصنيف الدولي للعناصر المميزة للعلامات - اتحاد فينا•
15- اتفاقية قانون العلامات - جنيف 1994•
16- اتفاق لاهاي بشأن الإيداع الدولي للنماذج الصناعية - اتحاد لاهاي•
17- اتفاق لوكارنو المنشيء للتصنيف الدولي للنماذج الصناعية - اتحاد لوكارنو
18- صياغة جنيف لاتفاق لاهاي المتعلق بالتسجيل الدولي للرسوم والنماذج الصناعية•
19- اتفاق مدريد لتجريم البيانات الخاطئة عن منشأ البضائع•
20- اتفاق لشبونه لحماية دلالات المصدر وتسجيلها دولياً•
21- الاتفاقية الدولية لحماية الأصناف الجديدة للنباتات•
22- اتفاقية نيروبي بشأن حماية الشعار الأولمبي•
23- اتفاقية المنظمة العالمية للملكية الفكرية في حق المؤلف 1996
24- اتفاقية المنظمة العالمية للملكية الفكرية في الأداء والتسجيلات الصوتية - الفونجرامات -1996 - ( جدول رقم 2)
الاتفاقية الدولية
4-2-2 حقائق وقواعد وإشكالات حماية المصنفات الرقمية في البيئة العربية
شهدت المنطقة العربية مؤخراً جملة من دعاوى الملكية الفكرية بخصوص برامج الحاسوب والتسجيلات الصوتية إضافة إلى عدد من المنازعات في ميدان الألعاب الإلكترونية بمختلف أنواعها، ويعزى النشاط المتزايد في هذا الميدان إلى ما تقرر من تفعيل تطبيق قوانين حق المؤلف وإلى نشاط الشركات الأجنبية المترافق مع سياسات تحرير التجارة في السلع والخدمات والوفاء باستحقاقات عضوية منظمة التجارة العالمية
4-2-2-1 الخلفية التاريخية لدعاوى الملكية الفكرية :-
ü دعاوى قديمة - جديدة
قد يعتقد البعض - خطأ - أن دعاوى الملكية الفكرية حديثة ومستجدة، لكن الحقيقة أنها من الدعاوى القائمة منذ فجر القرن معتمدة على طائفة من التشريعات والاتفاقيات الدولية التي انطلقت مع نهايات القرن التاسع عشر، ففي الأردن مثلا - كما في عدد من الدول العربية المجاورة - ظل قانون حق المؤلف العثماني سارياً اعتباراً من عام 1906 إلى أن تدخلت الدول بوضع تشريعات أكثر شمولية في ضوء موجبات الاتفاقيات الدولية التي تديرها المنظمة العالمية للملكية الفكرية - الوايبو - (وعددها للآن 23 اتفاقية) وفي عدد من الدول العربية -كالأردن مثلا تم إلغاء قانون حق التأليف العثماني واستبداله بتشريعات حماية حق المؤلف، وشهدت التسعينيات موجة تشريعية واسعة في المنطقة العربيةأبرز ملامحها إضافة برامج الكمبيوتر وقواعد البيانات إلى نطاق المصنفات محل الحماية بموجب تشريع حق المؤلف•
وانصبت الدعاوى في السنوات بل العقود السابقة على حماية أصحاب الإنتاج المعرفي وتحديداً في حقل الكتب والمصنفات الفنية، وحملت تلك الدعاوى في نطاقها نكهة الدفاع عن المبدع العربي في موطنه العربي ضد الأنشطة التي تمثل اعتداء على نتاج عقله من الكتب ومختلف مصنفات الأدب والفن ولم تلبث أن انطفت جذوة هذه الدعاوى لسبب حقيقي واحد وهو أن قرصنة مثل هذه المصنفات لم يعد بالعمل المجدي لمرتكبه إذا ما انتهج الطريق القانوني القويم بل إن المستخدم لم يعد يتقبل النسخ المقلدة أو المصورة أو المستنسخة من المصنفات ما دام سعر الأصل يقارب إن لم يكن أقل من سعر المستنسخ، بمعنى أن استراتيحيات التسعير والتسويق ساهمت وحدها بمحاربة نشاط القرصنة في حقل الكتاب، مع بقاء استثناءات محصورة في حقل الكتب الأكاديمية وتجارتها التي جاء القانون ليحد منها من خلال وسيلة الترخيص الإجباري الممنوح للسلطة الحكومية حفاظاً على الاحتياجات الثقافية والعلمية• والنتيجة أن الواقع العربي لم يشهد الكثير من دعاوى الملكية الفكرية على مدى سنوات، ولا نبالغ إن قلنا إن القوانين العربية في هذا الحقل لم تمتحن جميعها في التطبيق لغياب المنازعات في هذا الحقل•
ü انطلاقة عصر تحرير الخدمات والتوجه للاقتصاد الرقمي يعيد جذوة دعاوى الملكية الفكرية
بالرغم من انطلاق الجهد الدولي المنظم في حقل تحرير التجارة منذ عام 1947 الذي شهد ولادة اتفاقيات الجات، إلا أن تحرير التجارة في السلع بقي يواجه معيقات كبرى أهمها عدم قبول الولايات المتحدة طائفة كبيرة من اتفاقيات تحرير التجارة برغم الجولات التفاوضية السبعة التي سبقت جولة الأورغواي (1986-1994) ، وفي جولة الأورغواي للتفاوض بشأن تحرير التجارة في السلع، انتقل العالم إلى واقع جديد حين فاجأته الولايات المتحدة بقبول غالبية ما كانت ترفضه من اتفاقيات في حقل تجارة البضائع، ولم يكن هذا الموقف خالياً من رؤية استراتيجية للمصالح الأمريكية في المستقبل، بل هو وليد دراسات وتخطيط استراتيجي ساهمت فيه مختلف الشركات العملاقة متعددة الجنسيات، حيث أقحمت القوى الغربية في جولة الأورغواي - برغم معارضة الدول النامية - موضوع الملكية الفكرية (اتفاقية تربس) وموضوع تحرير التجارة في الخدمات، لجهة خلق واقع جديد يتيح لمالكي المعرفة والكفاءة الإفادة من كافة الأسواق العالمية وتعزيز استثماراتهم فيها، وفعلاً تحقق هذا الهدف بإقرار اتفاقية تربس بشأن الملكية الفكرية ليخلق لأول مرة منذ أكثر من مائة عام مركز آخر للملكية الفكرية غير المنظمة العالمية (الوايبو) ولتصبح اتفاقية تربس الإطار الأكثر شمولية لمعالجة كافة مسائل الملكية الفكرية• وأقرت أيضاً اتفاقية تحرير الخدمات (جاتس) التي تتيح لمقدمي الخدمة تعاملً مماثلاً للجهات الوطنية في الدولة وترفع من أمامهم معيقات الوصول للأسواق الخارجية• وفي هذا الإطار كان يتعين على كل دولة ترغب بعضوية المنظمة أن تقبل هذه الاتفاقيات التي تفرض التزامات تنظيمية وتشريعية من بينها أن تتواءم تشريعاتها في حقل الملكية الفكرية مع اتفاقية تربس•
وفي هذا الإطار شهدت الدول العربية موجة واسعة من تعديل التشريعات القائمة أو وضع تشريعات جديدة، وأحدثت ثورة حقيقة في النظام القانوني للملكية الفكرية في الوطن العربي لا تزال ملامحها غير واضحة، فإذا كانت الخطط المعلنة هي تعزيز الملكية الفكرية لاستجلاب الاستثمار الأجنبي باعتبار ذلك من الأمور المرغبة لجهات الاستثمار وأحياناً من مطالبها، فإن حركة الاستثمارات الأجنبية في الأسواق العربية لا تشير إلى تحقق هذا الغرض بالرغم من أن دولاً عربية أقرت تشريعات تحمي الملكية الفكرية أكثر نضجاً وشمولية مما هو قائم في دول أجنبية• وبنفس الوقت ظهرت في الواقع العملي ظاهرة نشاط الشركات الأجنبية لتنظيف الأسواق العربية مما يسمونه خطراً على استثمارتها ونقصد بذلك ما يثار حول مخاطر القرصنة، ولم تكتف هذه الجهات بالخطط الحكومية الطموحة لتحقيق هذا الغرض، فباشرت بذاتها حملة تقاض - هي حق لها من الوجهة القانونية ومن وجهة نظر العدالة - مترافقة مع حملة تعديل التشريعات إلى المدى التي ظن البعض أننا أمام تشريعات جديدة وأن حماية برامج الحاسوب انطلقت مع هذه القوانين، مع أن الحماية مقررة منذ نحو عشرة سنوات•
4-2-2-2 النطاق القانوني لحماية برامج الكمبيوتر وقواعد البيانات في البيئة العربية•
تتضمن قوانين حماية حق المؤلف العربية عموماً النص على حماية الكتب والكتيبات وغيرها من المواد المكتوبة، والمصنفات التي تلقى شفاها كالمحاضرات والخطب والمواعظ، و المصنفات المسرحية والمسرحيات الغنائية والموسيقية والتمثيل الإيمائي، والمصنفات الموسيقية، و المصنفات السينمائية والإذاعية السمعية والبصرية، وأعمال الرسم والتصوير والنحت والحفر والعمارة والفنون التطبيقيــــة والزخرفية، و الصور التوضيحية والخرائط والتصميمات والمخططات والأعمال المجسمة المتعلقة بالجغرافيا والخرائط السطحية للأرض، وبرامج الحاسوب (كما في طائفة منها) وفي أعقاب سريان اتفاقية تربس في عدد من الدول العربية أصبحت الحماية تمتد إلى البرمجيات سواء كانت بلغة المصدر أو الآلة، إضافة إلى حماية ما يمكن أن يسمى قواعد المعلومات المجمعة وتحديداً حماية طريقة التجميع سواء أكانت بطريقة تقليدية أم آلية (قواعد البيانات)• وذلك للتوافق مع متطلبات المادة 10 من اتفاقية تربس العالمية (اتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية)•
وتحمى برامج الحاسوب وقواعد البيانات وفقاً لقوانين حق المؤلف - بوجه عام - طيلة حياة المؤلف ولمدة خمسين عاماً بعد وفاته، ويوجه خبراء التقنية والقانون الدوليين انتقاداً لمدة الحماية هذه باعتبارها طويلة لا تتناسب مع الطبيعة المتغيرة والمتسارعة للبرمجيات واستغلالها لمدد قصيرة، أما إذ كان مالك حقوق المؤلف شخصاً معنوياً- وهو الفرض الغالب بالنسبة للبرمجيات، فإن مدة الحماية تقل عن مدة حماية حقوق الأشخاص الطبيعين كما في عدد من قوانين الدول العربية•
وتشمل الحماية الحقوق المعنوية للمؤلف والحقوق المالية لاستغلال المصنف وهي حماية استئثارية للمؤلف وحده يمنع بموجبها أي استغلال أو استعمال يضر بمصلحة المؤلف، وتعطي للمؤلف وحده الحق في استنساخ مصنفه وإجازة استعماله، وفقاً لشرائط تقررها القوانين العربية في هذا الحقل تتصل بمباشرة حقوق المؤلف ونطاق الاستغلال ومحتواه، تنص القوانين أيضاً - على تباين بينها - على استثناءات معينة ترد على مباشرة حقوق المؤلف، ولا تعد من قبيل التعدي، مثالها إجازة استخدام المصنف دون إذن المؤلف أو مالك الحق في معرض تقديم المصنف عرضاً أو إلقاءاً خلال اجتماع عائلي أو في مؤسسة تعليمية أو ثقافية أو اجتماعية على سبيل التوضيح أو الاستعانة بالمصنف لأغراض شخصية بعمل نسخة واحدة دون تعارض مع الاستغلال العادي، واستعماله في الإيضاح التعليمي والاستشهاد بفقرات منه في إنتاج ووضع مصنف آخر•
ومن أكثر التحديات في حقل الاستثناءات مفهوم الاستعمال الشخصي للمصنف ومداه ونطاقه إضافة إلى الإشكالات المتصلة بمدى ونطاق الاستثناء الخاص باستخدام المصنفات لغايات علمية أو بحثية أو في معرض الاستعمال العارض•
وتجيز بعض القوانين للسلطات إصدار أمر بالترخيص الإجباري للمصنف الأجنبي رغماً عن مالكه لجهة وإعادة إنتاجها وبيعها بالسعر المساوي لمثيلاتها في السوق أو السعر العادل ضمن ضوابط وشروط يراعى فيها تعويض مؤلف المصنف أو صاحب الحق عن هذا الترخيص الإجباري• وتتبع الدول طريقة الترخيص الإجباري حماية لاحتياجات المجتمع والعملية التعليمية، وتتباين المواقف حول نطاق الترخيص الإجباري إذ يحدد القانون عادة المصنفات القابلة لمثل هذا الإجراء، وهو أيضا إجراء هام لمواجهة سياسات الاحتكار ومنعاً للتحكم في رواج الفائدة المتوخاة من المصنف•
وبسبب الأثر الذي أحدثته اتفاقية تربس، لم يعد شرط إيداع المصنفات مطلوباً لغايات الحماية القضائية وهو ما أدى إلى تعديل عدد من تشريعات حق المؤلف العربية لتعكس هذا الحكم كما أن التشريعات الحديثة منها نصت أيضا على عدم اشتراط الإيداع•
4-2-2-3 إشكالات حماية البرمجيات وقواعد البيانات•
ü محل الحماية :-
بالرجوع للدراسات المقارنة والتطبيقات القضائية الشهيرة يظهر أن تحديد مفهوم البرنامج ونطاقه خلق إشكاليات عديدة، أولها ما إذا كان إعادة إنتاج البرنامج باقتباس أجزاء منه، أو باستخدام طريقة الهندسة العكسية أو باتباع وسائل برمجية (معنوية) غير المتبعة في إنتاجه أصلاً، يعد من قبيل النسخ غير المشروع أو التقليد، ويتفق القضاء على أن التقليد أو النسخ لكامل المنتج بغرض الاستغلال المالي لا يثير إشكالا في التطبيق، لكن ما يثير الإشكال اقتباس الخوارزميات المحتواة ضمن البرنامج، ومرد ذلك أن القضاء الأجنبي في معرض نظره لدعاوى حقوق المؤلف على البرمجيات اتسق مع أحكام الاتفاقيات الدولية بشأن عدم شمول الخوارزميات والحقائق للحماية، وهذا ما يعني أن الاقتباس فيما لا يتجاوز النسخ الجزئي وطريقة الهندسة العكسية المتبعة في إعادة بناء البرنامج تخضع لمعايير معينة قبل القول بحصول النسخ أو الاعتداء على حق المؤلف•
ويثور الاشكال أيضا بالنسبة لحماية لغة البرمجة، وتعديلات استخدام برامج التشغيل للتوافق مع بيئات العمل التقني أو لجهة اصلاح أخطائه، ومفهوم أن الشائع في حقل القرصنة بالعموم إنما هو برمجيات التشغيل الشهيرة وبرامج التطبيق الشائعة، لكن الإشكال يثور حول النسخ التجريبية التي يزود بها المستخدمون، فهي ليست المصنف النهائي المثبت ملكيته، ويثبت ذلك بالمعايير الفحصية عبر الخبرة، ومعلوم أن الشائع والسائد في الدول النامية النسخ التجريبية التي يتلقاها في وقتنا الحاضر معظم المستخدمون عبر شبكة الانترنيت أو حتى من بائع الأجهزة بحصوله عليها من الوسائط التي تملأ العالم ضمن سياسات الترويج الإعلامي التي اتبعتها وتتبعها المؤسسات المنتجة للبرمجيات•وفي هذا الصدد نشير إلى أن عدداً من الدعاوى قد أقيمت على عدد من المحال بخصوص الألعاب الإلكترونية، وأن عدداً من هذه الدعاوى قد استند إلى ضبط برمجيات تتضمن ألعابا غير مصرح ببيعها ليتبين بالخبرة الفنية وأحيانا (تغيب هذه الحقيقة) إن هذه البرمجيات لا تضم أكثر من نسخة دعائية للعبة أو (ديمو) مصغر أو نسخة تجريبية، مما ينفي ارتكاب المخالفة لقانون حق المؤلف، باعتبار أن الشركات الأجنبية تروج طويلاً لمنتجاتها قبل طرحها فعلياً في الأسواق، وغياب المعرفة التقنية وحقائق البرمجيات يستغل من البعض في الإيهام بأن النسخ التجريبية أو الدعائية نسخ مقرصنة• وهذه مسألة لا تحسمها غير الخبرة المؤهلة، لا في حقل التقنية فقط، بل في حقل الأعمال وتجارة سوق التقنية التي تنطوي على سياسات واستراتيجيات يتعين على جهات الخبرة والقضاء والمحاماة معرفتها سيما أنها أصبحت في متناول اليد من خلال مواقع هذه الشركات على شبكة الإنترنيت•
ü شرط ملكية الحق أساس الدعوى ولا دعوى دون توفر الصفة في التقاضي:
إن حماية المصنف توجب أن يثبت الحق بملكيته لطالب الحماية، سواء تعلق إجراء الحماية بالمطالبة المدنية (الدعوى المدنية بشقيها الموضوعي والطلبات المستعجلة) أو الدعوى الجزائية (الشكوى) أو الإجراء الإداري عبر مكتب الحماية• وشرط ثبوت تملك الحق المعنوي أو حق الاستغلال المالي، شرط مصلحة وصفة، بل إنه ابتداء عنصر رئيس لتفعيل عمل نصوص الحماية، بمعنى أنه الشرط الموجب لقبول الدعوى، فلا دعوى دون أن يثبت زاعم الاعتداء أنه المالك الحقيقي والقانوني لحقوق المؤلف على المصنف، وهذه من أكثر الإشكالات التي تواجه دعاوى الملكية الفكرية في الساحة العربية، فالإيداع لم يعد متطلباً وفقاً لاتفاقية تربس وقد اعتقدت العديد من الجهات أن ذلك يعفيها من اثبات الملكية أو أنها جهات شهيرة إلى مدى يعرف القاضي أنها المالكة للحق على برنامج ما، وهذا ليس صحيحاً، إذ على فرض صحته فإن القاضي لا يحكم بعلمه عوضاً عن أن مباشرة حقوق حماية المصنف تتطلب أن تتم فقط من المؤلف وحده الذي منح حق الدفاع عن مصنفه، وتصبح المشكلة أكثر تعقيداً عندما يتصدى لرفع الدعوى وكيل عن مالك الحق، وما لم تثبت وكالته القانونية أنه وكيل بالخصومة وبنوع هذه الخصومة فإنه لا وجه لقبول الدعوى ابتداء• ويشترط أن يثبت ملكية حق الخصومة والتقاضي لمن يباشر دعوى أو طلب الحماية عندما لا يكون هو المؤلف أو المتنازل إليه من المؤلف مباشرة عن حق الاستغلال المالي، أما إذا كان طالب الحماية بالإجراء المعين وكيلاً أو موزعاً فإنه لا يملك غير المقاضاة المدنية بما تعرض له هو بصفته هذه، لا بما تعرض له مؤلف المصنف أو مالك الحق فيه، لأن نطاق وصحة المطالبة تتحدد بسببها، فإن امتد سبب المطالبة إلى ادعاء الاعتداء على حق المؤلف فهو- أي المؤلف وحده - من يحمي الحق أو من يحق له أن يوكل غيره في الخصومة القضائية لهذه الغاية تحديداً، وكل ذلك مرهون بنصوص عقود واتفاقيات الوكالة والرخص، وهو ما يدعونا في هذا المقام للتنبيه إلى أن كثيراً من المؤسسات كانت محلاً لتعاقدات غير عادلة مع الأطراف الأجنبية بسبب عوامل كثيرة أهمها مدى كفاءة المفاوض وعدم توفر المشورة القانونية المؤهلة المتخصصة في هذا الحقل الهام•
ü مرخص أم غير مرخص - أكثر الحقائق الغائبة
لقد وقعت العديد من الشركات والمؤسسات العربية ضمن نطاق تأثير الموزعين والوكلاء بل وسماسرة السوق، وتعرضوا للإيهام بأن أوضاعهم القانونية مخالفة للقانون مع أن وضعهم القانوني قد يكون سليماً ولا غبار عليه، ومثال ذلك اعتبار مؤسسة ما غير مرخصة مع أنها تملك أجهزة حواسيب ذات ماركات عالمية منتجة من شركات عقدت اتفاقيات داخلية مع جهات إنتاج البرامج تعتبر بموجبها أجهزتها مرخصة حكماً حتى لو لم تتحقق معايير الترخيص المقررة لدى جهة إنتاج البرامج•ومثال آخر اعتبار حائز التسجيلات التي سبق له شراؤها من أحد الوكلاء السابقين مخالف للقانون لأن وكالة الوكيل التجارية تحظر عليه إبقاء إي مخزون لدى التجار في نهاية مدة وكالته، فيخل بالتزامه ويُعرض التجار للمسؤولية أمام الوكيل الجديد الذي لا يفترض غير أن التاجر قد نسخ مصنفاته دون إذن•
ومثال ثالث استغلال عدم معرفة العديد من المؤسسات بأنها مرخصة أصلاً لعدم معرفتها بماهية الرخصة ذاتها، وأشير في هذا المقام إلى أن الأسواق العربية تشيع فيها ممارسات من قبل بائعي الأجهزة التقنية (مارسات السوق) من ضمنها مثلا تنزيل نسخة واحدة من البرنامج عن قرص واحد على عدد من الأجهزة رغم أن المشتري كان قد اشترى عدداً من البرمجيات المرخصة يساوي عدد الأجهزة، بحيث تظهر كافة الأجهزة محملة بنفس رقم البرنامج فتتعرض لاتهامها بنسخ البرنامج على أجهزتها، مع أن الواقع غير ذلك•ومن الممارسات أيضاً عدم إرسال كتيب الرخص من قبل البائع على اعتبار أنه كتيب تعليمات لتتفاجأ الشركة بعد ذلك أنها غير مرخصة لأنها لم تحضر رخص برمجياتها من البائع الذي يكون قد أودعها مخزنه أو مستودعاً ما أو ربما اعتبرها من مخلفات الأجهزة كعبوات التغليف والكتيبات فأتلفها أو ألقاها إلى حيث يلقي مخلفاته غير الهامة•ومثل هذه الممارسة قد تتم من الشركة المشترية التي لا تعير الكتيبات والأدلة والأوراق المصاحبة للجهاز اهتماماً كافياً أو لا تعير أهمية للاحتفاظ بالرخص في موضع يمنع فقدها وضياعها•
ومن المخاطر الحقيقة لعدم الوعي السائد بشأن التراخيص استغلال البعض لهذه الممارسات التي لا دخل للمستخدمين بها بسبب غياب المعايير والمواصفات التقنية وغياب استراتيجيات تنظيم السوق التقني في البيئة العربية، وأوضح مثال على ذلك أن بعض الجهات التقنية تعتبر المستخدم غير مرخص لاستخدام برنامج معين حتى لو أبرز الرخصة المطابقة نوعاً وتاريخاً للبرنامج لكنها لا تتطابق مع البرنامج من حيث رقم المنتج، إذ قد يختلف رقم البرنامج الموجود على الجهاز مع رقم المنتج الوارد على الرخصة لأسباب كثيرة، منها - كما ذكرنا - أن بعض الجهات تقوم بإنزال البرنامج على عدة أجهزة عن قرص واحد لتوفر وقت إنزال كل برنامج من القرص الخاص به وباعتبارها جميعاً نسخاً متطابقة عن البرنامج•أو قد يتم محو القرص الصلب بكامله لغايات الصيانة أو التطوير فلا تراعي جهة الصيانة تنزيل النسخة الموجودة عند العميل وتنزل من طرفها نسخة عن ذات البرنامج فيختلف الرقم، وقد يختلف الرقم لأي سبب آخر باعتباره من الناحية التقنية قابل للتغيير بتدخل شخصي أو نتيجة عمليات مؤتمة مما يجعل الرقم مغايراً للرقم الموجود على الرخصة، وهذا لا يعني أن المستخدم غير مرخص له باستخدام البرنامج، لأن رقم المنتج ليس معياراً للترخيص ولا هو متطلب له، والمعيار فقط توفر وثيقة الرخصة ذاتها المطابقة للبرنامج نوعاً وتاريخاً فقط، إذ لا يعتد بما يقبل التغيير كالرقم ولا أهمية له ولا دور يقوم به من ناحية الترخيص، وهو موجود فقط لتسهيل عمليات الدعم والصيانة (للمسجلين لدى الشركة المنتجة فقط مع الإشارة إلى أن التسجيل اختياري وليس متطلباً قانونياً لصحة الاستخدام) أو يستخدم الرقم داخل المنشأة لغايات التوثيق وصرف العهدة على المستخدمين عند تعددهم•
لهذه الممارسات التي نشأت عن تشوه سوق التقنية وغياب المعايير والمواصفات على مدى السنوات السابقة، علينا جميعاً أن نعيد التفكير بشعار مكافحة القرصنة الذي يتعين أن يسبقه معرفة حقيقة وسليمة بالواقع المعاش وباستراتيجيات جهات الترخيص والإنتاج، فمن مصلحة المنتج أن يعتبر أي فعل من قبيل الاعتداء على فرص ربحه، لكن من حقنا أيضاً أن نعرف ما إذا كان فعلاً يعتمد على استراتيجية تتفق والقانون القائم، أم أنه يتحدث عن نظامه القانوني واستراتيجياته التي يرغب أن تكون قانوناً لكنه لا يملك ذلك في ظل اعتبارات السيادة الوطنية
إن الاتفاقيات الدولية وبقدر ما منحت المبدع حقوقاً على نتاج إبداعه بقدر ما حَمَتْ المستهلك من التضليل والإيهام، وعلينا أن ندرك أن إيفاءنا بالتزاماتنا تجاه الغير وهو أمر مطلوب ومرغوب لدينا بسبب التركيبة الاجتماعية والثقافة السائدة في مجتمعنا يتعين أن يرافقه تمسكنا بحقوقنا التي تنطلق أولاً من المعرفة والوعي بالحدود الفاصلة بين الحق والالتزام في هذا الحقل•
إن الموضوعية تقتضي منا الإشادة العالية باتجاهات القضاء في هذا الحقل، حيث أظهرت بعض الوقائع العملية أن القضاء يعتمد على نفسه أولاً وعلى خبرات فنية يقلبها بعناية للوصول إلى الحقيقة، ففي قرار صادر عن محكمة الاستئناف الأردنية(21) بوصفها المرجع القضائي الأخير للطلبات المستعجلة قضى فيه ببطلان ضبط تسجيلات صوتية، قررت المحكمة إخضاع كافة الضبوط في ميدان الملكية الفكرية إلى شرائط القانون والحكم بعدم قبول أي ضبط دون خبرة قاطعة بحصول السلوك الجرمي من الشخص المنسوب إليه الفعل بذاته، وينظر القضاء للأمر بكل عناية وموضوعية•وقد أظهرت الدعاوى المنظورة وعدد من المفصولة حتى الآن اتجاهاً قضائياً يقوم على تمحيص الحقائق إلى أبعد مدى لتبين الحقائق حول التراخيص سيما في ظل تنوعها وفي ظل ما يعلن على الملأ من إمكان الترخيص اللاحق للبرامج القائمة، بل في ظل صفقات الترخيص المسماة (التواؤم مع متطلبات القانون) فهي ونحن لسنا ضدها على الإطلاق بل نشجعها - تثير من الوجهة القانونية التساؤل حول بعض الخبرات الفنية التي لا تقبل تراخيص بزعم مخالفتها لمعايير مقررة لدى جهات الترخيص التي هي الشركات الأجنبية المنتجة ذاتها، كالمغايرة بين رقم الرخصة والبرنامج مع أنه غير متطلب ابتداءاً، والأساس - كما ذكرنا - التطابق بين الرخصة ونوع البرنامج وتاريخ تنزيله، فجهات الترخيص عند عقد الصفقات تكيف معاييرها لتمرير صفقاتها التجارية، لكنها في ساحات القضاء قد تتمسك بمعاييرها هي لضمان مركز أفضل أمام القضاء•ومن هنا فإن كافة الخبراء الفنيين العرب مدعوون للتعامل الدقيق والحذر مع الحالات المكلفين بها، لأن العلم لا يقبل التطويع لحساب سياسات نفعية، والقضاء يبذل كل جهد للوصول إلى الحقائق الموضوعية، ولأن كثيراً من المفاهيم تغيب في أوقات يفترض أن لا تغيب، وكثير مما يعتقد أنه حقيقة علمية لا يعدو مجرد سياسة تسويقية لشركة مستفيدة أو منتفعة•
وفي ميدان البرمجيات، تثور مشكلة نطاق التراخيص وحجيتها وأنواعها المستجدة، إذ لم تقف تراخيص التصرف بالبرمجيات واستعمالها عند حد الرخصة المكتوبة الموقعة من طرفيها، بل أصبحت البرمجيات تباع كحزم جاهزة في أماكن البيع العام، تتضمن رخصاً نموذجية غير موقع عليها، توجب التزام مشتري البرنامج بشرائطها بمجرد فض العبوة ونزع الغلاف، كما أن من البرامج وتحديداً تلك المشتراة على الخط أو المنزلة والمثبتة عبر الشبكات كالإنترنيت والإنترانت الخاصة بتسويق البرمجيات ما ترتبط فيها الرخصة بقبول الشروط المكتوبة والمنشورة على الموقع بحيث يصبح الشخص ملزما بمحتواها بمجرد القبول وأحياناً الاستعمال، وبعضها تتضمن الرخصة بشكل إلكتروني ضمن مقدمة البرنامج ذاته، مع مرافقة ذلك بإجراءات تسجيل تتم أحياناً بشكل مادي على مستنداتها أو بشكل إلكتروني عبر الشبكة، ولا يترتب على عدم القيام بها في حالات عديدة آثار على صحة الاستخدام في حين أن شروط بعض الرخص تربط صحة الاستخدام بإتمام التسجيل وهذه الرخص تثير إشكاليات قانونية في التطبيق توجب التدقيق في طبيعتها والبت بأمر حجيتها في ضوء أحكام قانون البيانات وتحديده للأدلة المقبولة قانوناً•
إن مشكلات عدم الاطلاع فعلياً على هذه الشروط في كثير من الحالات، مشكلات عدم معرفة قواعد الإثبات القائمة لهذه الشروط المخزنة داخل النظم كشروط نموذجية تثبت عناصر والتزامات التعاقد، لعدم التوقيع عليها وعدم ثبوت توجيهها لشخص بعينه، وثبوت عدم مناقشتها بين الأطراف، كل ذلك وغيره استوجب التدخل التشريعي لتنظيم آلية إبرام العقد التقني أو شروط حجيته وموثوقيته، سواء نتحدث عن العقد المتصل بالمبيع أو عن رخص الاستخدام بوصفها التزاما بين جهتين•
وتثور أيضا مشكلة رخص الملكية الفكرية المغلفة مع المبيع، وكذلك، حقوق الملكية الفكرية في ميدان النشر الإلكتروني خصوصاً مع تزايد الاستيلاء على التصاميم التي يستخدمها موقع ما، وحقوق الملكية الفكرية على اسماء المواقع، وعلى ملكية الموقع نفسه، وحقوق الملكية الفكرية بالنسبة للعلامات التجارية للسلع، والاسماء التجارية، وكذلك حقوق المؤلفين على محتوى البرمجيات التقنية التي تنزل على الخط أو تسوق عبر مواقع التجارة الإلكترونية، إن كل هذه المشكلات التي ضاعفت سطوتها التجارة الإلكترونية استلزمت مراجعة شاملة للقواعد القانونية الخاصة بالملكية الفكرية وربطها بالأنشطة التجارية الدولية في ميدان البضائع والخدمات، وهي المبرر أيضا لإقرار اتفاقية تربس العالمية كواحدة من اتفاقيات منظمة التجارة الدولية التي تلتزم بها الدول الأعضاء، ولا نضيف جديداً إذا قلنا إن العديد من الدول ارتجلت قواعد في ميدان الملكية الفكرية دون النظر إلى متطلبات التجارة الإلكترونية، وهو ما جعل قواعدها، رغم حداثة تشريعها ووضعها، غير متلائمة مع متطلبات التجارة الإلكترونية•
ومن بين مشكلات البت بمشروعية الاستخدام، حالة الترخيص باستعمال برنامج ما لمؤسسة أو جهة ومن ثم استخدامه من قبل عدد آخر من المستخدمين، أو استخدامه ضمن نظام يرتبط بشبكة بين شركاء أو حلفاء المستخدم أو ربما موظفيه عندما تكون الأعمال مدارة عبر شبكة إنترانت خاصة ضمن مفهوم وسياسة الأعمال الإلكترونية، ومثل هذه المشكلات تحددها طبيعة الرخص ذاتها ما إذا كانت لمستخدم واحد متصلة بشخصه - وليس بعدد أجهزته أم لجهاز واحد أم رخصة جماعية - وهي على أنواع متعددة - كما في رخصة الموقع أو رخصة المؤسسة، ومن المهم هنا القول إن الرخصة تظل أيضا من العقود التي تخضع لقواعد التفسير، فإن كان المستخدم يلجأ لقواعد القانون للحصول على أفضل مركز لدفاعه، فإن مانح حق الترخيص أيضا يلجا لذات القواعد لتحقيق أفضل مركز وإثبات حصول الاستخدام غير المشروع•
ومن بين إشكاليات الترخيص، تطلب حصول المستخدم وإثباته رخصة استخدام كل نسخة من نظام التشغيل حتى لو كان النظام قد خضع لتغيير لغة التطبيق (عبر برنامج الترجمة التقني) وهذا أمر محل نظر باعتبار أن البرنامج لدى حمايته في بلد المنتج أو الحماية الدولية له وفقاً لنظام الحماية الذي اختاره صاحب الحق، قد لا يكون أكثر من تحديد للمنتج باسمه التجاري وطبعته، وبالتالي فإن الحصول على هذا الترخيص يتضمن ترخيص كل تطوير له وكل استخدام لذات البرنامج بعد خضوعه للترجمة في بيئة الاستخدام•وبالتالي لا تمتد الحماية للبرنامج المترجم ما لم يكن بلغته المستخدمة محلاً للحماية ابتداء ومسجلا بهذه الصفة•
إن أبرز مشكلات التعامل مع الرخص غياب المعرفة بأنماطها وتحديد مدى الصحة من عدمه ولعل هذا ما دعا مختلف الدول العربية لعقد عشرات البرامج التوعوية والتدريبية في حقل التراخيص، وقد أظهرت هذه البرامج حقائق مذهلة حتى بالنسبة للخبراء الذين لم يسبق لهم معرفتها، وهذا يضع مجتمعنا وكل الجهات العاملة في حقل الملكية الفكرية إزاء تحد علينا تجاوزه بكل فعالية، وهو التأهيل الصحيح البعيد عن الغرض لموضوع التراخيص منطلقين من حاجة الوطن ومؤسساته لبناء نظام تراخيص تفاوضي ومعرفي وقانوني وتنظيمي فيه الصالح الوطني عماداً وعنواناً•
ü ثبوت أركان الجرم على نحو ما حدده القانون فقط وبدليل مشروع
مما يثار في حقل إشكالات الدعاوى الجزائية المتعلقة بالمليكة الفكرية، المفاهيم العامة التي تطلق في الاتهام أحياناً وحتى في الدفاع من قبل بعض جهات الدفاع، كالقول إن الدعوى تقوم على فعل مخالف لقانون حق المؤلف في حين أن القانون الجزائي لا يعمل وفق هذه العمومية المرفوضة بموجب مبدأ المشروعية، وإلا لكنا نحيل السارق والقاتل والمزور بتهمة واحدة وهي مخالفة قانون العقوبات•
إن دعاوى المساءلة الجزائية في حقل الملكية الفكرية، تخضع شأنها شأن غيرها لقواعد المشروعية الجنائية و يتعين أن تثبت عناصر الجرم وفقا لنموذجه القانوني فقط، وتخضع أيضاً من حيث اثبات المسؤولية لمبدأ مشروعية الدليل من حيث مصدره وانتفاء احتمالات الشبهة والغاية فيمن يعتمد عليه لإثبات الجرم•ولا تثبت كافة العناصر وكذا لا تقبل الأدلة على سبيل الاحتمال، وإنما على سبيل الجزم واليقين شأنها شأن غيرها من الدعاوى الجزائية ويتعين أن يحدد مرتكبها دون شك، لأن المسؤولية الجزائية شخصية، ولأن نطاق مسؤولية الأشخاص المعنوية توجب إثبات قيام ممثل الشخص المعنوي قانوناً أو من في حكمه بارتكاب الجرم المتوفر فيه كافة الأركان المقررة قانوناً، المادي والمعنوي ووفق النموذج القانوني المحدد في نص التجريم•
إن القضاء المقارن قد قرر وجوب ثبوت تحقق الاستنساخ أو التقليد بمعنى ثبوت اقتراف السلوك المادي المكون للجريمة وفق ما نص عليه القانون، وبشكل لا يظهر منه أن محل النسخ واحدة من عمليات الاقتباس أو ما عرف بنسق الهندسة العكسية في بيئة إنتاج البرمجيات، وهذه مسائل تتطلب الخبرة القانونية والفنية، وهي لجدتها في ميدان التقاضي تثير عشرات الدفوع والمسائل الفرعية التي سيكون للخبرة فيها دوراً حاسماً وأساسياً، مع التأكيد أن الخبير الأعلى إنما هو القاضي، وهو الذي يحكم في المواد الجزائية بقناعته الذاتية ووجدانه المستقى والمستخلص على نحو سائغ من أدلة الدعوى•
إن محكمة الاستئناف الأردنية وفي أحدث أحكامها(22) في ميدان دعاوى المسؤولية عن قرصنة برامج الكمبيوتر، حللت بكل دقة وعمق النصوص الجنائية المقررة في قانون حق المؤلف الاردني، وتوصلت بوضوح إلى أن الأنشطة المجرمة في هذا الحقل تنحصر بأنشطة الاستغلال المالي المتمثلة بالعرض للبيع أو التأجير وفي حدود غرض محدد فقط وهو الاستغلال المالي ومن هنا قررت بوضوح أن الاستخدام دون الاستغلال المالي لا يعد جرما وفق القانون، وأنهت نهاية موضوعية وعادلة واحدة من دعاوى الملكية الفكرية التي طالت واحدة من المؤسسات المالية الكبرى، ولا نبالغ إن قلنا أن حماية الإبداع بكل صوره في ميدان الملكية الأدبية والصناعية قام على أساس الموازنة بين احتياجات المبدع لصيانة إبداعه ومنحه الفرصة (المؤقتة بمدة معينة) لاستثمار نتاج عقله، وبين حاجة المجتمع للمعرفة ووسائلها، هذه الموازنة التي تمنع احتكار صاحب المصنف لمصنفه وتجيز ترخيصه إجبارياً لحماية الثقافة وتلبية احتياجات التنمية والتطور في المجتمع•وإذا كان من حق مالك حقوق أي مصنف أن يحمي إبداعه، فإن من حق مجتمعنا علينا أن لا تكون هذه الحماية على نحو يمس عناصر تطوره ويخل بميزان التناسب بين الحماية الخاصة والاحتياجات الجماعية•
ü حماية البرمجيات بين تطبيق القانون وأثره على الدول النامية :-
البرمجيات حصيلة نشاط عالمي متطور أعلى قيم الإبداع وقيم الأفكار والعقل وتعبر عن الاتجاه نحو التحولات الاستراتيجية في مفهوم محددات رأس المال، ومن هنا كانت وسيلة عبور عصر المعلومات بكل إفرازاته، لذا هي متطلبة للدولة النامية، وأهم موضوعات مشكلة شمال المعلومات وجنوبها، إنه التجاذب والتضاد بين مالك المعلومة(البرنامج) ومستخدمها، وتقاس في العصر الراهن درجة التقدم بمقدار امتلاك وإنتاج المعرفة، ومن المؤسف أن الدول النامية مستهلكة لإنتاج الدول المتقدمة المعرفي، مع أن الخوارزميات التي تكتب بها برامج الحاسوب من وضع عالم الرياضيات العربي (الخوارزمي) ومنسوبة لاسمه، وهو ما يضع الدول النامية أمام تحد أكبر إن أرادت تجاوز معيقات نمائها، فالدولة النامية وإن كان وجودها الضعيف لم ينته باستهلاك الإنتاج المادي للغرب، فإن وجودها الحقيقي مرهون بإنتاج معارفها الخاصة خشية الذوبان المطلق في معارف الغير، ولعل هذا ما يتعين فهمه من تحديات العولمة، ودون الخوض في إشكالية الموقف منها، ولو ضيقنا مفهومها من حيث البعد التقني إلى القدرة على إنتاج المعرفة التقنية، ونموذجها البرمجيات، فإن معنى هذا أننا بأمس الحاجة لامتلاك أدوات هذه المعرفة، واستلهام المميز من معارف الآخرين، لا لتبرير الاعتداء على حقوق الغير، ولكن ضمن سياسة الحصول على أفضل ميزات من منتجي ما نحتاجه من برامج لهذا الغرض•وقد حققت دول عربية كمصر والإمارات شروطاً تفاوضية إيجابية مع اتحاد منتجي البرمجيات والشركات الدولية الكبرى، تركزت حول إجازة استخدام البرمجيات ببدلات رمزية أو مخفضة من قيمة بدلاتها التسويقية مع حلول للمنتجات الموجودة في السوق وصلت حد سحب غير المرخص منها وتزويد نسخ مطورة كبديل عنها، والإتفاق على ما سمي باتفاقات الاستخدام التعليمية أو الإنتاجية أو غيرها، وبكل الحالات فإن المنتج الأجنبي مستفيد أيا كانت تنازلاته، لأن قبوله التعاون بشروط لصالح الدولة النامية سيحقق له ضمانة لتطويق أنشطة القرصنة وإنهاء أسواقها السوداء وسيساهم في خلق قبول جماعي للتعاطي مع متطلبات نظام الملكية الفكرية•
إن التفاوض مع المنتج الأجنبي مترافقاً مع تنظيم السوق إرادياً وضمن سياسات التعاون على تخفيف الآثار المتوقعة لإنفاذ نظام الحماية، ومراعاة احتياجات الدول النامية المعرفية وظروفها الاقتصادية وحاجاتها نحو الاتجاه إلى صناعة البرمجيات وتطويرها وإنمائها، كل تلك دوافع أساسية لتطبيق القانون، دون أن نتناسى أن الحديث عن القرصنة يجب أن يوضع في إطاره الموضوعي والواقعي دون مبالغة•
إن نماء استخدام الإنترنيت يضع أصحاب الحقوق على البرمجيات في تحد هائل، وتطور أسواق القرصنة عالميا ًعبر الشبكة وعبر وسائل لا يطالها القانون في كثير من الأحيان يجعلها مدركة لطلبات الدول النامية المشروعة سيما وأن استخدام التقنية حصيلة لسياسات ضخ المنتجات للاستهلاك في الدول النامية، وهي سياسات لم تخترها هذه الدول وإنما أرادتها الشركات المنتجة، لذا ليس صعباً أن تسمع متطلبات الإنفاذ السلس والصحيح لنظم الحماية لمنتجاتها•وما نقوله في هذا المقام ليس مطالبات أو منح إنما التزام قررته الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة، وإلا ما تفسيرنا لمبدأ الدولة الأولى بالرعاية ومبدأ منع الاحتكار ورفض السياسات الإغراقية، ومبادئ حماية المنتج الوطني، ومبادئ حظر قيود الملكية الفكرية كلما كانت ذات أثر سلبي على إنماء حركة التجارة، وغيرها الكثير من المبادئ التي أقرتها اتفاقيات التجارة الدولية وغيرها فإذا كان إنفاذ هذه الاتفاقيات يوجب تنفيذ الدولة النامية لالتزاماتها فان ما طالبت به الدول النامية في ملتقيات التفاوض الدولية إنما هو التفعيل المتوازي لهذه المبادئ عند إنفاذ وتفعيل قواعد ومتطلبات الالتزام•
إننا في العالم العربي نتجه نحو سياسات طموحة وهامة في حقل تقنية المعلومات وصناعة البرمجيات، وهذا يطرح تحديات كبرى أمامنا لا تقل عن تحدي تهيئة فرص الاستثمار، ولعل ما نرى أهميته الأولى - بعيداً عن التعارض في الموقف من نظام الحماية - تنظيم سوق البرمجيات والخدمات التقنية، لأن مثل هذا التنظيم يتيح اعتماد المعايير والمواصفات ويتيح إشاعة قواعد مهنية تحدد السلوك التجاري ويتيح سهولة تحقيق القطاع لمتطلباته في التفاوض مع الجهات الدولية والإقليمية، ومن هنا ندعو إلى وقفة أكثر جدة لجهة تنظيم القطاع وتحديد متطلبات نموه وتطوير أدائه، فالتنظيم رافعة من روافع إنفاذ القانون بشكل إرادي مقبول للكافة وفوق ذلك أهم روافع إنجاز مكاسب جماعية للوطن كله في العلاقة مع الأطراف الأخرى•وهو الوسيلة لحل مشكلات القطاع بين مالكي الحقوق ومستخدمي المنتجات والعاملين في تسويقها•
5 • الخلاصة والتوصيات -نحو إنتاج المعرفة القانونية ووقف سياسات استهلاكها
5-1 أجندة جهات التشريع المطلوبة بخصوص الإطار القانوني لتقنية المعلومات
في حقل تقنية المعلومات، ثمة طموح كبير في وطننا العربي تعكسه شعارات كبيرة، وتعكس في أحيان كثيرة اطلاعاً على الجديد والمستجد وسعياً للحاق بالركب ورغبة بالتميز، لكن، وبكل موضوعية، ليس الواقع مماثلا لحجم الطموح ولا سعة الشعارات•
إن الحديث عن التحول إلى نقطة انطلاق في سوق تقنية المعلومات العربية، والحديث عن جذب استثمارات تقنية المعلومات، وعن الحزم التشريعية التي ستمثل نموذجاً معاصراً متقدماً يحتذى به، والحديث عن مبادرات سوق البرمجيات والأجهزة والوظائف، والحديث عن تطوير الاتصالات والبنى التحتية، وعن مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وبناء قواعد المعلومات وأتمتة النشاط والخدمة، وأخيراً الحديث عن الحكومة الإلكترونية، لا يزال في حقيقته حديثا أكثر منه إنجازات والمسألة هنا ليست انتقاداً بل هي مشاركة في المسؤولية، والواقع غير المشرق برأينا يتناقض مع جدية الكفاءات وتميز الأداء ويتناقض بحق مع ما لمسته شخصياً من صدق التوجه لدى الكثير من القائمين على هذه القطاعات•لكن الصدق والتميز والكفاءة ليست كافية، وليست ذريعة الإمكانات المادية مقبولة، وربما ثمة أسباب لا يريد الكثيرون الوقوف عندها لكن لا بد وبحق أن تطفو على السطح أمام الحاجة الماسة للانطلاق في هذا الحقل•
أن المبادرات والتدابير التشريعية العربية في هذا الحقل تحتاج بقدر ما تتطلب التشجيع فإنها تحتاج للامتحان وعدم إغفال الحاجة لإعادة التقييم وتعديل التوجهات•وعلى الصعيد التشريعي ثمة إنجاز في حقل تشريعات الجمارك والاستثمار والملكية الفكرية للتواؤم مع اتفاقيات التجارة الدولية، ومن المؤسف أن تدابير الملكية الفكرية والجمارك استغلت من قبل البعض للأضرار بالمجتمع في ضوء تشوه السوق وسيادة منطق الاحتكار ومصالح الشركات الأجنبية•وثمة مشروعات قوانين تدرس لدى جهات التشريع العربية أهمها في حقل التجارة الإلكترونية وحماية الخصوصية والمنافسة، وثمة إنجاز في ميدان إعادة تنظيم قطاع تكنولوجيا المعلومات في عدد من الدول العربية التي أفردت وزارات لهذا الحقل، وقد تحققت خطوات بشأن إعادة بناء جهات التقنية، ومع هذا لا تزال هوية هذا القطاع غير واضحة، ولعل هذا وحده يتطلب منا جميعا إعادة الوقوف بدقة وشفافية وصراحة أمام أفكار ومتطلبات الشراكة بين القطاعين العام والخاص نحو تحديد أكثر دقة للواجبات والحقوق في نطاق هذه الشراكة وتحديد للغرض منها ورسم استراتيجية الأداء المستقبلي لا أن نظل نسير بهدي المبادرات الفردية التي لا تضع على الأرض أكثر من أثر سرعان ما تذريه الرياح•
ونكتفي في هذا المقام بإيراد قائمة مناطق الاهتمام القانوني العربي المتعين إدراجها على أجندة الجهات التشريعية والبحثية لدى إعداد الإطار القانوني الناظم للمصنفات الرقمية والإنترنيت وتقنية المعلومات وتحديداً التجارة الإلكترونية مع مراعاة ما أنجز في بعض الدول من ضمن مفردات هذه الأجندة•
1- مسائل الخصوصية وأمن المعلومات : اختراق مواقع الإنترنيت ونظمها ومتطلبات أمن الشبكات وتحديداً تشفير البيانات، وتجريم أنماط جرائم الكمبيوتر والشبكات•وتجريم مختلف صور الاعتداءات والممارسات غير المشروعة في البيئة الرقمية، ومسائل حماية البيانات الشخصية والأسرار الشخصية من مخاطر المعالجة الآلية للبيانات وتحديداً وسائل كشفها والوصل إليها عبر الإنترنيت ومواقع المعلوماتية في هذا النطاق
2- الموقف القانوني من التعاقد والمبادلات والرّسائل الإلكترونيةِ والأدلة والبيانات الإلكترونية، إن عدم الاعتراف بقانونية هذا النمط من الوثائق والرسائل يضعفِ إمكانيةِ شيوع الإنترنيت والاعتراف والتنظيم الكافي للتجارة الإلكترونية على نحو مكافئ للتنظيم القانوني لوثائق التجارة الورقية التقليدية وهذه المشكلةِ تتعمق لدى تطبيق قوانينِ التّجارةِ التّقليديةِ في بيئةِ التجارة الإلكترونية، على نحو يتسبب في إعاقة تَطَوّر التّجارةِ الإلكترونيةِ، كما تواجه التجارة الإلكترونية صعوبات من حيث اعتراف القوانين التقليدية بقانونية إبرام العقود بهذه الوسائل••وتثير الإنترنيت والتجارة الإلكترونية تحدي حجية وقانونية الدليل والبينة بأشكالها الرّقميةِ•وفي إطارها يظهر الموضوع الأهم، التواقيع الرقيمة•
3- الاختصاص والولاية القضائية :- ثمة حاجة لبحث آليات فض منازعات الإنترنيت والتجارة الإلكترونيةِ باعتبارها تعاملات وتجارة بلا حدود تثير مشكلة الاختصاص القضائي بسبب حقيقة ان القوانين الداخلية ذات نطاق إقليمي محدد بحدود الدولة المعنية•
4- حماية المستهلكِ وتنفيذِ القانونِ :- وذلك فيما يتعلق بنصوص التّشريعِات المتصلة بحقوق وحماية المستهلكِ أو الجمهور، خاصة في حقل المعايير والمقاييس المتصلة بتقديم الخدمات والمنتجات التقنية وحماية مستخدم الإنترنيت من العديد من أنشطة الغش والمساس بالمستهلك ومصالحه•
5- الملكية الفكرية :- تحديات حمايةِ الملكيةِ الفكرية للمصنفات الرقمية ومحتوى مواقع الانترنيت•
6- وسائل الأتمتة المصرفية وأنظمة الدفع الإلكتروني :- تثير الأعمال الإلكترونية واستثمار مواقع الإنترنيت والتجارة الإلكترونية تحديات في حقل الوفاء بالثمن ومقابل الخدمة، وتتصل هذه التحديات بمفهوم النقود الإلكترونية، الحوالات الإلكترونية، وآليات الدفع النقدي الإلكتروني، وما يتصل بذلك من مسائل الاعتراف بهذه الوسائل وتحديد مسؤوليات ذوي العلاقة ِ•
7- المسؤولية القانونية للجهات الوسيطة في أنشطة الأعمال الإلكترونية :- مثل مسؤولية مزودي خدمةِ شبكة الانترنيت، ومسؤولية الجهات القائمة بخدمة التسليم المادي، ومسؤولية جهات الإعلان، ومسؤولية جهات التوثيق وإصدار الشهادات••
8- البنية التحتية :- وتتعلق بالاستراتيجيات الوطنية وبالتنظيم القانوني لخدمات الاتصال وتزويد خدمة الإنترنيت وجهات الإشراف على الإنترنيت والتجارة الإلكترونية في الدولة المزودة لحلولها وروابطها وما يتصل بهذا التنظيم من معايير ومواصفات وقواعد قانونية ومسؤوليات قانونية•
9- الضرائب والجمارك والتعريفة :- آليات وقواعد السياسة التشريعية الضريبية والجمركية في بيئة الإنترنيت والتجارة الإلكترونية•
10ـ التنظيم القانوني والإداري لجهات منح شهادات الموثوقية وما يتصل به من تنظيم مسؤولياتها•
5-2 أولويات التنظيم القانوني لتكنولوجيا المعلومات في البيئة الأردنية (العربية) وارتباطها بمقتضيات التنظيم•
ما هي استراتيجياتنا كأمة عربية ومؤسسات تشريعية عربية للتعامل مع التحديات القانونية المثارة في بيئة تقنية المعلومات بكل تجلياتها - الأعمال الإلكترونية والملكية الفكرية وجرائم الكمبيوتر والخصوصية وغيرها ؟؟؟
ليس ثمة مفردات لاستراتيجية واحدة لبناء الإطار القانوني لعصر تقنية المعلومات، والتجارب المقارنة تظهر أكثر من استراتيجية وأكثر من وسيلة للتعامل مع الموضوع، لكن الجامع المشترك بينها أنها استراتيجيات شاملة من جهتين :-
الأولى : الشمولية المتأتية من عدم الفصل بين مسائل تقنية المعلومات وموجات تشريعاتها (أمن المعلومات والملكية الفكرية لمصنفات المعلوماتية و الخصوصية، وتنظيم المعايير التقنية، والتجارة الإلكترونية الخ) حتى لو تباعدت التدابير التشريعية المتخذة، لكنها تدابير تسير ضمن خط ورؤيا واضحة واحدة، وأبرز مثال على هذا المسلك الجهد الأوربي في ميدان التنظيم القانوني لمسائل تقنية المعلومات•
أما الثانية، فتتمثل بالشمولية في تقصي مفاعيل القواعد الجديدة على كافة فروع التشريع والقواعد القانونية المقررة ضمن النظام القانوني المعني•
في ضوء ذلك، فان أهم أساس استراتيجي لتعامل المؤسسات التشريعية مع عصر المعلومات، إدراك الحاجة إلى حزمة متكاملة من التشريعات المتعين سنها معا لمعالجة كافة حقول وميادين عصر المعلومات وآثاره على النظام القانوني، وذلك في ميادين الأنشطة المالية والتجارية وفي حقل القانون الجزائي وقوانين وأنظمة العمل الإداري والمعايير والخدمات وقوانين الملكية الفكرية (التي حظيت وحدها باهتمام واسع من بين بقية الفروع الأخرى)•إذ ثمة ضرورة موضوعية لتدابير تشريعية شمولية لأن المستجدات تثير تحديات شمولية، فإذا كان مبرراً مثلا أن لا يتخذ المشرع العربي تدابير في ميدان أمن المعلومات بسبب عدم شيوع جرائم الكمبيوتر في البيئة العربية، فلم يعد مبرراً الانتظار وقد داهمتنا التجارة الإلكترونية وأصبح المشرع بصدد تنظيمها في حين أن أمن المعلومات واحد من أهم تحدياتها•
وضرورة التدابير الشمولية توجبها الحاجة لتكامل أحكام النظام القانوني والخلاص من مشكلات الحلول المبتسرة ولا يجوز الاستمرار في التذرع بالحاجة لاستقرار الأوضاع والخشية من تعديل القوانين سيما وأنها تتطلب إجراءات تعديل ليست بالسهلة، فالواقع يعكس خلاف هذه الذريعة، إذ لا نكاد في البيئة العربية نتعامل مع تشريع إلا ويصار إلى تعديله، ولا نكاد نبحث عن فرصة لاجتياز شيء من تحديات العصر إلا ونصطدم بعدم توافق حركتنا مع البناء القانوني القائم، وهذه الحقائق تعكس عدم سلامة الذريعة المتقدمة، بل تؤكد أن الآلية التشريعية يطالها خطأ ما، فإن كنا نتريث للتشريع حتى تستقر الأوضاع فلماذا هذه التخمة التشريعة دون أن يكون للنصوص فعاليتها، وأين التريث ونحن نلمس دعوات للتعديل تثور ربما والقانون في أول مراحل تنفيذه•
وبدراسة واقع النظام القانوني العربي نجد أن الدول العربية لم تتواءم حقيقة إلا مع تشريعات الملكية الفكرية بسبب ما تفرضه العضوية في منظمة التجارة العالمية وموجبات اتفاقية تربس ولا نجد مثل هذا التواؤم في بقية الفروع القانونية لقانون الكمبيوتر•والأخطر أنه تواؤم المضطر لا المختار، وهو ما أدى إلى اعتماد عدد من الدول تشريعات جاهزة دون أن تكون مهيئة لسنها أو تطبيقها، مما أثر ويثير مشكلات حقيقية في الواقع العلمي•
إن أهم ما يتعين الوقوف أمامه في إطار الاستراتيجية التشريعية لعصر المعلومات، هو مدى صحة الاعتماد على القوالب التشريعية الجاهزة، وكذلك مدى اعتماد الموقف المقرر لدى الدول الغربية والمتقدمة بشأن بعض مسائل تقنية المعلومات، فالولايات المتحدة وأوروبا مثلا اعتمدتا قاعدة الحد الأدنى من التنظيم القانوني للتجارة الإلكترونية، وقد اعتمدتا على ما توفر في نظامهما القانوني من قواعد وتشريعات تغطي كافة موضوعات تقنية المعلومات، ومع ذلك يتواصل العمل بجد وشمولية عبر مختلف مؤسساتهما التشريعية ومنظماتهما المتخصصة لضمان تحقيق فعالية عالية في تنظيم شؤون التجارة الإلكترونية، ونجدهما بعد أن فرغا من جزء كبير من مشكلات التواقيع الإلكترونية والعقود الإلكترونية يتركز جهدهما الآن على مسائل الاختصاص والقانون الواجب التطبيق ومنازعات اسماء النطاقات بسب المنازعات القضائية التي تتزايد في هذا الحقل•
أما بالنسبة للبيئة العربية، فشعار الحد الأدنى من التنظيم القانوني للتجارة الإلكترونية ليس مقبولا لغياب القواعد الأساسية التي تغطي مختلف موضوعات قانون الكمبيوتر•
فحماية الملكية الفكرية، وكذلك حماية وضمان تحرير التجارة والخدمات، ومواجهة متطلبات حماية التقنية واستخدامها، وتنظيم انتقال التقنية والمعرفة ومواجهة الأنماط الجرمية المستحدثة التي تهدد أمن المعلومات والخصوصية وأنشطة التجارة الإلكترونية وتقنيات الأعمال المالية والمصرفية، كلها بحاجة إلى الوقوف أمام كافة قواعد النظام القانوني لضمان الانسجام فيما بينها ولتحقيق نظام متكامل لحماية المعلومات وفي هذا الإطار نسأل المؤسسة التشريعية العربية بشكل مجرد :-
هل يمكن دخول عصر المعلومات أو لنقل التجارة الإلكترونية باعتبارها آخر تجلياته في الوقت الحاضر أو تطوير الاعتماد على قواعد المعلومات، أو اعتماد الوسائل التقنية في الأعمال المصرفية، دون :-
1- إقرار نظام إثبات يعالج حجية مستخرجات الحاسوب، والرخص المخزنة إلكترونياً وحجية البريد الإلكتروني، وحجية العقود الإلكترونية وحجية التواقيع الإلكترونية ويقبلها حجة في المنازعات القضائية•
2- وضع نصوص ناظمة لسوق التقنية وخدمات التقنية تضمن معايير الجودة ومعايير موثوقية النظم وخصوصية وأمن المعلومات المخزنة فيها، وقواعد السلوك المهني في ميدان خدمات الإنترنيت•
3- وضع نصوص تجريم خاصة تطال الأفعال الجرمية التي تستهدف المعلومات التقنية المخزنة والمعالجة والمنقولة في نظم الكمبيوتر وعبر الشبكات، بحيث تجرم الدخول غير المصرح به إلى نظم المعلومات وأنشطة الغش المعلوماتي والتجسس، وتدمير المعطيات•
4- وضع قواعد حماية للمعلومات والبيانات الخاصة تضبط جمعها ومعالجتها تداولها ونقلها داخلياً وخارجياً حفاظاً على الخصوصية وتحقيقاً لمبادئ حماية البيانات الخاصة المقررة دوليا••
5- وضع تشريعات ناظمة لقواعد التجارة الإلكترونية من حيث متطلباتها التقنية والإدارية وقواعد حمايتها وحل مشكلات التواقيع والعقود الإلكترونية، ومشكلات الإخفاق في التسليم المادي للمنتج بعد اكتمال التعاقد•
6- وضع قواعد قانونية لحماية استخدام البطاقات المالية من وجهتي القواعد التجارية والجزائية باعتبار هذه البطاقات أداة رئيسة لتنفيذ أنشطة التجارة الإلكترونية والبنوك الإلكترونية والخدمات المقدمة على الإنترنيت
7- تطوير تشريعات التجارة والشركات لمواكبة المستجدات في ميدان الدفع النقدي ونقل الأموال بالطرق الإلكترونية وأوراق الدفع والمشاريع الاستثمارية والاندماج والاكتساب واتفاقيات التجارة الدولية ونقل التكنولوجيا وإجازة الأنشطة المصرفية الإلكترونية وغيرها•
8- تطوير تشريعات الخدمات الحيوية في ميدان الاتصالات لمواكبة التطورات الناشئة عن الاتفاقيات الدولية أو القواعد الدولية الجديدة للاتحادات النوعية في هذه القطاعات•
9- تطوير التشريعات القضائية الإجرائية التي تستوعب التطورات الحاصلة في ميدان قواعد التحكيم التجاري والدولي وقواعد فض المنازعات البديلة وقواعد التقاضي المدنية والجزائية•
10- تطوير القواعد الخاصة بأنشطة البحث العلمي والتدريب في تشريعات الوظيفة والعمل والقوانين الخاصة لضمان مواكبة مؤسسات الخدمة والإنتاج الحكومي والخاص لمتطلبات التأهيل والكفاءة•
إن بناء نظام فاعل لعصر تقنية المعلومات، عملية تكاملية، تقوم فيها الدولة والقطاع الخاص بواجبات رئيسة ليست مجرد مشاركة في الجهد وإنما انصهار في خطط الأداء، فلا تجارة إلكترونية دون استراتيجيات وسياسات وطنية تغطي مسائل البناء التقني والبناء الإداري والبناء التعليمي والتأهيلي والبناء القانوني، ولا حكومة إلكترونية دون تعاون جاد في تعزيز الثقة وتوفير عوامل تشجيع المستخدمين لاستخدام الكمبيوتر والشبكات، إنه إعادة تنظيم للعديد من مرتكزات البناء القائم ليتواءم مع عصر التحولات ـ عصر إعلاء قيمة المعلومات والمصنفات الرقمية على حساب قيمة الموجودات والمنتجات المادية•
إن الخيارات الجاهزة في التعامل مع تحديات العصر الرقمي قد تجعلنا مستخدمين للتقنية، لكنها لن تخلق منا مبدعين يسعون لاستغلالها من أجل اجتياز فجوات التنمية والتطور•والتحدي الحقيقي أمام الأمة العربية يكمن في العودة إلى دورنا كمنتجين للمعرفة لا مستهلكين لمعارف الآخرين•
إن من أهم سمات عصر تقنية المعلومات القدرة الهائلة على التوائم مع متطلباته بذات القدر من التنبه لأهمية الدراسة الشاملة لقواعد القانون حتى لا تكون التدابير التشريعية مجرد إنفاذ لالتزامات دولية دون التنبه لما يحدث من تناقض ما بين القواعد الجديدة وتلك المستقرة في مختلف فروع القانون الأخرى•
إن عصراً تتحول فيه محددات رأس المال من الموجودات للمعلومات، ومن القيم المادية للقيم الرقمية يفرز مزيدا ًمن إبداعات العقل ضمن أوعية جديدة لإفراغ هذه الإبداعات، وحتى الآن فإن غالبية مؤسسات التشريع العربية تتلقى قواعد التشريع في عصر المعلومات ولا تصنعها وحتى وهي تتلقاها لا تخضعها لدراسات شاملة تكفل فعاليتها وسلامة تواؤمها مع الموضوع محل التنظيم ومع السائد من قواعد وقيم ومرتكزات النظام القانوني•
إن من أهم المجالات التي سنجد أنفسنا مضطرين للتعاطي معها مسائل أمن المعلومات والتجارة الإلكترونية وتقنيات العمل المصرفي والملكية الفكرية وتحديداً في حقل اسماء نطاقات الانترنيت ومحتوى المواقع والوسائط المتعددة وحتى نكون أمام هذا التحدي من المهم أن يبقى ماثلا في الذهن أن الزمن لا يحتمل الخطى البطيئة كما أن التحديات لا تحتمل الحلول المبتسرة•
إن إشكالية عصر المعلومات بالنسبة للدول النامية الشعور بعدم القدرة على امتلاك أدوات العصر، لكن أمة أنجبت الخوارزمي الذي شيدت على علومه أسس الحوسبة والرياضيات قادرة على استعادة مكانتها في حقل إنتاج المعارف والتوقف عن حمى استهلاك معارف الآخرين أو مواجهتها بالرفض غير المنتج أو المبرر الذي لن يحقق إلا مزيداً من الابتعاد عن تحقيق الأهداف وغايات التطور والتنمية•
وفي الإطار التشريعي ثمة حاجة ملحة لدراسة شاملة لآثار تقنية المعلومات على النظام القانوني برمته، وثمة حاجة إلى برنامج توعية شامل وحاجة ماسة إلى تدريب وتأهيل مميزين يطال كافة ذوي العلاقة بالقانون وإنفاذه•وربما نحتاج أهم من كل ذلك جيلاً من الدارسين الواعين للجديد في حقول القانون وهو ما لا يمكن تحقيقه دون إعادة النظر ببناء المساقات التعليمية والتأهيلية ومتطلبات التدريب القانوني والقضائي•
وأخيراً :
فإن ما يستفاد من التجربة القانونية العربية في التعامل مع تحديات العصر الرقمي إن ثمة حاجة ماسة لأن نكون نحن ذاتنا، أن نكون ما نمثل وما نريد ونحن نتجه لرسم ملامح وجودنا في العصر الرقمي•

الهوامش:
1- لمتابعة تطورات شبكة الإنترنيت ماهيتها وحلولها وتطبيقاتها واتجاهاتها وأخبارها والإحصاءات المتصلة بها انظر المواقع التالية:-
www•ngi•gov , www•euregio•net , www•iworld•com , www•ccgatech•edu www•nlm•nih•gov , www•nw•com/zone/www/top•html , www•internic•net www•december•com/web/text, www•w3•org , http://rs•internic•net , www•isps•com www•internet2•edu , www•icann•org , www•icann•org/registrars/accredited-list•html www•webreference•com, www•webtrends•net , www•css•org Www•dotcomdirectory•com , www•qwho•com, www•namezero•com, www•cdn•com
2- كانت الولايات المتحدة الأمريكية من بين الدول التي رفضت الانضمام لاتفاقيات الجات (1947) المتعلقة بتحرير التجارة في البضائع ، وبقي موقفها هذا واضحا في جولات المفاوضات التجارية السبعة حتى بدأت جولة الأورغواي (1986-1994) والتي شهدت تحولاً رئيساً في التجارة الدولية عنوانه قبول أمريكا ضمن تحالف مصالح مع عدد من الدول الصناعية اتفاقيات عديدة في حقل تحرير تجارة البضائع مقابل إدراج اتفاقيات تحرير الخدمات (جاتس) واتفاقية الملكية الفكرية (تربس) ، هذا التحول الذي أدى إلى ولادة منظمة التجارة الدولية اعتبارا من 1995/1/1 بموجب إعلان مراكش•انظر تفصيلا مؤلفنا (الكتاب الخامس من موسوعة القانون وتقنية المعلومات ) دليل التجارة الدولية والاستثمار (اتفاقيات منظمة التجارة الدولية) - منشورات اتحاد المصارف - تحت الطبع•
3- انظر مؤلفنا :- موسوعة القانون وتقنية المعلومات، الكتاب الأول، قانون الكمبيوتر، منشورات اتحاد المصارف العربية، 2001•والجزء الأول من الكتاب الثاني (جرائم الكمبيوتر والإنترنيت) منشورات اتحاد المصارف العربية، 2002•والجزء الثاني الكتاب الثاني الخصوصية وحماية البيانات في العصر الرقمي، منشورات اتحاد المصارف العربية، 2002•
4- من أكثر الكتاب الأجانب معالجة لمواضيع قانون الكمبيوتر ومفاهيمه الكاتب Mark Grossman حيث يغطي هذا الكاتب الموضوعات المتصلة بهذا الفرع منذ عام 1996 - انظر موقعه على الإنترنيت ويتضمن مقالاته في الصحف والمجلات المتخصصة :- www•mgrossmanlaw•com ومن أكثر المواقع أهمية في ميدان قانون الكمبيوتر موقع :- The Cyberlaw Encyclopedia http://
gahtan•com\techlaw5- انظر في تفصيل هذه الآراء والاتجاهات :- د•محمد حسام لطفي - الحماية القانونية لبرامج الحاسب الإلكتروني1987، جامعة بني سويف•
6- مشار إلى هذا القرار في مؤلف جينشار وآخرين ، الإنترنيت والقانون ، منشورات مون كريستان ، 1999 باريس ، ص 192•
7- نقض مدني في 7 يوليو 1964 - مجموعة النقض المدني المصري سنة 1964 ، ص 920•
8- انظر :- د•حسام الدين الاهواني - حماية حقوق الملكية الفكرية في مجال الإنترنيت، ورقة عمل مقدمة إلى مؤتمر الملكية الفكرية - جامعة اليرموك - الأردن 10-2000/7/11 •
9- انظر - إضافة للفصلين الخاصين بالتجارة الإلكترونية والبنوك الإلكترونية في كتابنا الأول (قانون الكمبيوتر) المشار إليه سابقاً - انظر الكتاب الرابع من الموسوعة - الأعمال الإلكترونية، وكذلك انظر :- يونس عرب، التجارة الإلكترونية، مجلة المعلوماتي - الحاسوب والتقنيات، سنة 9 عدد 93 صيف 2000• وكذلك انظر لذات الباحث، دراسة التجارة الإلكترونية - منشورة بالتتابع في مجلة البنوك في الأردن، الأعداد 7و8 و9 - 1999 - عمان•وكذلك الدراسة الشاملة حول البنوك الإلكترونية - منشورة بالتتابع في مجلة البنوك في الأردن، الأعداد 3و 4 و 5 - 2000• وورقة العمل - الاختصاص القضائي وتنازع القوانين في ميدان التجارة الإلكترونية، مؤتمر منظمة الاسكوا -
8- 2000/11/10 بيروت•
10- حول جرائم الكمبيوتر والإنترنيت والاتصالات وموضوعات أمن المعلومات عموماً انظر للباحث المراجع والمقالات وأوراق العمل المشار إليها في الهوامش السابقة•
11- يتكون الدومين نيم من أجزاء متعددة•الجزء الأكثر أهمية ومعرفة من قبل المستخدمين هو ما يعرف باسم النطاق الأعلى(top-level Domains ) وهو الجزء الأخير من العنوان (com) وتدل على الشركات التجارية، (edu) وتدل على مؤسسات التعليم، (gov) وتدل على المواقع الحكومية، (net ) وهي الشبكات وعادة ما تقدم خدمات عامة، (mil) وهي للجيش الأمريكي (org) وهي للمنظمات•أما الجزء الثاني من اسم النطاق، وهو على يسار اسم النطاق الأعلى (أو الجزء المتوسط بين ثلاثة أجزاء) فهو اسم أو رمز أو اختصار المؤسسة أو الشخص أو الجهة صاحبة الموقع (CNN ) مثلا أو (Arablaw )•••الخ
12- On November 16, 2000, ICANN released the new top-level domains that will be offered in addition to the•COM•NET and•ORG domain name extensions currently available•The seven new TLDs are: INFO , BIZ , PRO, NAME, AERO, COOP, MUSEUM•info O an open, general purpose domain),•biz O for businesses),•name -O for individual persons),•pro O for professionals (such as doctors and lawyers),•museum O for museums and related institutions),•aero O for the airline and air travel information),•coop O for cooperative businesses)
13- www•icann•org
14- انظر مجلة إنترنيت العالم العربي سنة 3 عدد 6، ص 15
15- راجع على سبيل المثال مواقع الإنترنيت التالي