إصدارات النادي

 

الأعمال في عصر المعلومات
أنماط العمل الجديد في عصر الاقتصاد المعرفي
(المهن الجديدة ـ الاستشارات ـ الخدمات)
أ• هاني شحادة الخوري

مقدمة

تمر المجتمعات اليوم بمتغيرات اقتصادية واجتماعية وتنظيمية ناتجة عن تحديات العولمة وانفتاح السوق واتفاقيات تحرير التجارة العالمية والخدمات، وتأثير إعلام العولمة وتحديات التطور التكنولوجي والمعلوماتي التي تحدث آثاراً عميقة في سوق العمل وأنماطه، والمجتمعات كلها تسعى لإعادة التوازن لأعمالها واقتصادها وموقعها وحتى نشاطها الاجتماعي وثقافتها، وهنا يبرز دور التغيير الحاصل عالمياً الذي غيّر في أسس الأعمال والتجارة وجعلها أكثر ديناميكية ومرونة وتخصص وجودة في الإنتاج وقوة في الإعلان وتطلباً للمهارات والخبرات وارتباطاً بالعلوم والمعارف•
هذه هي المتغيرات التي فرضت نفسها في العالم كله أجمع، وهي تجبر المجتمعات الأحادية التفكير على نمط تحول كبير في طريقة التفكير ولإعادة إنتاج وظائف المجتمع والمؤسسات وحتى الأعمال ومنظومات التعليم والثقافة، لأن ثقافة العولمة اليوم هي ثقافة التفاصيل والجماعات والمؤثرات النفسية ومخاطبة الشباب والأطفال والنساء كفئات مستهلكة، وعدم دمج طرق المخاطبة للمجتمع ككل بكل فئات أعماره، هذه الطرق في المخاطبة الإعلامية وهذا التطور في سيطرة المستهلك أمام طيف واسع من الإنتاج يفرض على المجتمعات الانفتاح وتنويع النشاطات، ومناقشة الهوية الثقافية لمجتمعتهم والخيارات المتاحة والاستراتيجيات الواجب اتباعها لموجهة تحديات العولمة•
أهمية أفكار وثقافة العمل
ما أريد التركيز عليه بعد هذه المقدمة هو موضوع فكر وثقافة العمل، وحتى تنظيم العمل في المجتمعات التقليدية وأهمية تجديد تلك الثقافة باتجاه التنوع وإعطاء قيمة لمهن ووطائف ودراسات لم تجد التسويق الكافي في هذه المجتمعات رغم الأهمية الكبيرة لهذه المهن وما تحققه من تشغيل وتطوير للمؤسسات ورفع لسوية السلع والخدمات المتداولة التي تساهم في مناعة المجتمع تجاه استيراد خدمات وسلع أجنبية بشكل مكثف يشل الصناعة والخدمات المحلية، إننا أمام تحدي تطوير الوظائف والمهن وتنويعها لمحاصرة البطالة وإنعاش النشاط البشري في العمل•
إن الحقيقة التي تفيد بأن الإنتاج التام المؤتمت سيعهد به إلى الإنسان الآلي، بينما الإنسان الحي المتفرغ للعمل بالعلوم سوف يمارس رقابة عامة ويمضي في رفع مستوى الإنتاج، هذه الحقيقة لابد أن تدفع بالإنتاج العلمي لكي يتقدم على الإنتاج المادي• وهذا مايتجلى بقول "جون برنال": في قديم الزمان كان العالم يتبع الصناعة أما اليوم فإنه ينزع إلى اللحاق بها واستباقها•
فمن منتصف القرن التاسع عشر تمكن ماركس بالفعل من رصد هذه النزعة لدى التطور التكنولوجي والتي تخول العلم، والعلم التطبيقي لكسب مكانة سائدة في حياة المجتمع، ومما كتبه في هذه النقطة "إن العمل المباشر بوصفه المبدأ المقرر للإنتاج والخالق للقيم إنما يخضع لتقليص كمي، أما من الناحية الكيفية فإنه يتحول إلى قطاع ثانوي• (من كتاب مارتن: المبادىء الرئيسة لنقد الاقتصاد السياسي)
وكذلك كتاب الاقتصاد الأمريكي ليونارد الذي أشار فيه إلى أن التقدم العلمي ـ التكنولوجي يمارس تأثيره في الناس بطريقتين رئيستين أولاً: أن يولد طلباً هائلاً ومتزايداً على من يتمتعون بالقابلية لاستخدام أدمغتهم، وثانياً: أن يؤدي إلى زيادات أكبر في الإنتاج تفوق ربما الزيادات السكانية•
يقول كثيرون: إننا نعيش في ظل ثورة صناعية معرفية وهذه الثورة تهدف إلى تفريد شخصية الإنسان ودعم الإنسانية(هل هذا صحيح؟)•
ـ ما الفرق بين الإنسان المفكر وصانع الفكر؟ ما الفرق بين الإنسان السلبي والإيجابي والذي يجعل الناس سلبيين؟
المجتمعات وثقافة العمل وأنماطها السائدة
تختلف المجتمعات وفق خلفيتها التاريخية والثقافية في تنظيم العمل وتطوير مهن وأعمال معينة تكون مقبولة اجتماعياً وثقافياً في هذا البلد، وتجسد نوع القيم والأفكار السائدة حول العمل في هذه البلدان، ويرتبط تنظيم العمل في بلد ما وفق البنية الثقافية ويتم تشكيل الأعمال من خلال أشخاص أذكياء قادرين على تحديد احتياجات السوق وإنشاء أعمال وتجارة تلبي خدمة مطلوبة أو قابلة للتسويق في هذا المجتمع، وقد يميل مجتمع ما لقبول مهن معينة فيميل نحو العمل التجاري على حساب العمل المهني وفق وضع هذا البلد كممر للتجارة والبضائع وفق موقعه العالمي، مثل موقع بلادنا على طريق الحرير وقد اكتسب كل بلد قيمته الحضارية والتجارية من خلال مساهمته في نقل البضائع وتوزيعها ووصلها بالأسواق العالمية وفق المهن والخدمات المصنعة فيه، و بالوقت نفسه قد يكون لبطء قابلية التطور والتكيف دور في التأكيد على المهن والوظائف السائدة وأنماطها على حساب تطوير وتوفير مهن ووظائف وخدمات جديدة تتناسب مع التطور التقني والصناعي بحيث تشتق بعضها من طبيعة الوظائف والخدمات القائمة، ولا يمكن نشر وتطوير مهن أخرى ترفضها نسبياً الثقافة السائدة أو يروج لها بشكل سيئ دون أن تنتشر انتشاراً طبيعياً بسبب عدم تحديد البنية والأداء المثالي لهذا التأكيد، ورفع سوية أدائها وإن تشويه قيم العمل وعدم تبني شكل حضاري للوظائف والأعمال هو مؤشر من مؤشرات التخلف•
طبيعة الأعمال القائمة ومرونة تحديثها
لماذا نقبل على العمل التجاري الفردي في مجتمعات معينة، ولا نتوجه إلى بناء المؤسسات، ولماذا يقوم العمل التجاري على الفرصة والاحتكار ولا يرتكز على حسن الخدمة، وهل لندرة السلع في الماضي دور في هذا القصور التجاري، إن العمل يتطلب اليوم إبداعاً والتزاماً بالمواصفات وإرضاء للزبون مهما تكن سوية الخدمة، فلماذا لم يتطور فكر العمل لدينا نحو سوية أفضل من الخدمة والالتزام بالمواصفات بينما سبقتنا في ذلك العديد من الدول التي لا تمتلك تاريخاً تجارياً عريقاً مثلنا، ولماذا نتوارث المهن الحرفية والتجارة عن آبائنا مع أن التنظيم الاجتماعي الجديد يفترض اختيار المهنة وفق أسس علمية في المواهب والرغبة والخبرة تجعل توارث المهن عبثاً تطويرياً وخطراً على مستقبل الشركة، وهل فصل الملكية عن الإدارة صعب لهذه الدرجة التي تجعلنا نخاطر بأعمالنا بالتوارث عن أن نوكل الإدارة لأناس مؤهلين، وهل سنجد أشخاصاً يحرصون على نجاح شركاتهم لمجرد أنهم يعملون فيها ويديرونها أم أن الأمر يتعلق بقيم ومحددات ثقافية تجعل المديرين في بلادنا لا يحسنون الإدارة إلا عندما يمتلكون الشركة ويصبح مستقبلها هو مستقبل أموالهم، وهل يمكننا يوماً أن نقدم إنساناً ملتزماً متحمساً مبدعاً في العمل مقابل أجر وتحفيز مناسب، وأن نترك إدارة المؤسسة للأساليب الحديثة في الإدارة المالية والمصارف والبورصات، هل ما زال نمط الأعمال والشركات العائلية هو الأفضل في مجتمعاتنا، هل هي أزمة قوانين أم هي أزمة اجتماعية ثقافية وفكرية، وهل لأمثالنا الشعبية السلبية تجاه الشركة دور في ترسيخ ثقافة العمل هذه•
الإيحاء الأولي والنظرة الاجتماعية التقليدية لبعض المهن
قد لا يدرك الكثير من الناس آثار الفكر الاجتماعي والجدران التي يضعها أمام التطوير واستقبال أفكار عمل وخدمات جديدة، وأن تطوير الجمود الموجود في التفكير وأنماطه يساهم في نمو المجتمع وإنتاجه واقتصاده والأهم من ذلك أنه يقوم بتخفيف البطالة من خلال تشغيل أنماط مختلفة من الوظائف•
واليوم في عصر المعلومات والمعرفة تنمو أنماط المهن المعرفية لتؤكد على وظائف ومهن أهملت سابقاً أو سوقت بشكل سيئ يمنع تبني البعد المعرفي والبعد العلمي لهذه المهن ومدى أهميتها كمهن قاعدية تتطلب خبرات وإتقان، ومن هذه المهن كمثال، مهنة السكرتارية والتوزيع وخدمات المطاعم والفنادق، وكذلك المهن الحرفية التي ما زالت تتمسك بنموذج الورشة دون البنية المتكاملة للورشة العصرية التي تعتمد مفهوم تطوير ونمذجة خدمة الورشة، فمهنة السكرتارية سوقت ضمن طبيعة المهنة التي تتعلق بالرد على الهاتف وضمن قالب المساعد العام أو الفتاة التي لا تمتلك مهارات الأرشفة والتوثيق والطباعة ولكن تمارس دوراً أنثوياً مشوهاً، ومهنة التسويق والبيع المباشر تعني للمجتمع البيع الرخيص بالترجي دون قيمة، والعاملون في الفنادق هم خدم دون النظر إلى قيمة الخدمة وأهمية أعمالهم في السياحة وفي نجاح الخدمات، والعلاقات العامة مهنة غير واضحة ولا توجد خبرات تناسبها، الكثير من المهن توضع في إطار محدود، ودون تحقيق نجاحات إبداعية تعطي قيمة للعاملين، وفقط المهن القيادية والعلمية كالأطباء والمهندسين نعطيها قيمة أكبر من نجاحها الاقتصادي في هذا الوقت•
تحديات التنمية الإدارية والبنى المؤسسية في تطوير أنماط العمل
نحن اليوم أمام تحديات التنمية الإدارية التي تتطلب وجود مؤسسات لديها أطر وموارد بشرية اختصاصية مناسبة، فكيف تتناسب هذه التنمية مع ثقافة عمل ترفض فضح أسرار العمل، وتعد تعلم الموظف أو العامل أكثر من اللازم خطراً على مستقبل العمل، فهل العمل اليوم هو كالسابق سر عمل قابل للتقليد والسرقة؟ وهل نتعرض لحالة أجير تعلم المهنة فانفصل عن معلمه للقيام بالعمل نفسه، إن العمل اليوم يبدو كفاءة ورؤية وتضحية وتصميم ونجاح، وما يدعى بسر المهنة ما هو إلا وهم ماعدا بعض المهن الحرفية المهنية الخاصة، والتي تتطلب سر العمل مع المهارة والعمل والرغبة الجادة بالنجاح، نحن أمام قصور في ثقافة العمل وتطورها، وإذا لم نصل إلى مرونة في التفكير تجعلنا ندرك سر العمل وأهميته الحقيقية في المجتمع من حيث كونه خدمة تقدم للمجتمع، تتطلب عوامل عديدة، عندما تتوافر فستوفر النجاح للجميع، وأن العمل ليس فرصة أو سراً يحتكره بعض الناس، قد يتطلب نجاح العمل ـ إضافة إلى الخبرة ـ ركناً أساسياً هو التمويل الذي لا يتوفر للجميع، ولكن الدول المتقدمة تقدم عروضاً مجزية لأصحاب الأفكار الإبداعية الذين يقدمون أفكار عمل متطورة، ويجب أن نعلم أن ثقافة العمل اليوم تعتمد على العمل الجماعي ضمن فريق عمل، ولا يمكن بناء عمل اليوم بناء على عمل فردي ولكنه عمل مؤسسي متكامل، والعمل المؤسسي له مزاياه من حيث تشغيل اختصاصات علمية واسعة ومن حيث ضمان نجاح الشركة ومساحة الخبرات فيها•
أهمية الاستثمار الصحيح في العنصر البشري
مع التطور التكنولوجي والاقتصادي والتوسع فيه باستخدام نظم العمل وتغيير مفاهيم وأساليب الإدارة وإدخال الحاسبات الإلكترونية في أساليب الإنتاج، ومع اتساع الأعمال وزيادة التخصصات وتعدد الخيارات وزيادة حدة المنافسة وظهور ونمو التنظيمات العمالية، تبدو الأهمية الكبرى للاستثمار الصحيح في الموارد البشرية، وهو ما يؤدي إلى الاسترشاد في تخطيط قوى العمل وربطها باحتياجات المنظمة وحسن توزيعها وتقليل من تضيع في عنصر الزمن، وانخفاض معدلات الغياب ودوران العمل، وزيادة الرضاء الوظيفي، والقضاء على رتابة العمل ونمطية الأعمال، وزيادة فاعلية برامج التدريب، ومن ثم توافر التنسيق الفعال في الوحدة الإنتاجية وهي أمور تؤدي إلى تحقيق فاعلية المنظمات وتحقيق الأهداف•
إن منظمات المستقبل ستشهد المزيد من التركيز على نوعية جديدة من المديرين الذين تتوافر لديهم قدرات ومهارات إدارية عالية في التحليل والتخطيط ورسم السياسات إضافة إلى القدرات الخاصة بفهم العنصر البشري والنواحي الإنسانية المرتبطة به، والإدراك والتحليل الجيد لمتغيرات البيئة وقبول التغيير والابتكار• من أجل هذا تأتي أهمية الاستثمار البشري على المدى الطويل، وإذا أخذنا في حسباننا ضغوط النشاط التشغيلي على المنظمات فإنه يغلب أن ينحى هذا الموضوع جانباً حتى تقع أزمة تضعه في المقدمة، وحينئذ قد يكون الوقت متأخراً لاتخاذ إجراءات فعالة، فموضوعات الموارد البشرية ذات خطورة لا تقبل بسهولة إجراءات آخر لحظة، من ثم يجب أن تتحمل الإدارة العليا مسؤولية التأكد من فعالية الاستثمار البشري في المدى الطويل ويجري تطوير الموارد البشرية بحيث تتجاوب مع احتياجات المنظمة•
لذلك فعلى الإدارة العليا في المنظمات إلى جانب قيامها بالتخطيط للتسويق والإنتاج والتمويل، عليها أيضاً القيام بالتخطيط للاستثمار البشري بما يضمن حسن اختيار مواردها البشرية والارتقاء بمستوى كفاءتهم وتطويرهم، وبالتالي رفع الكفاءة والفعالية الكلية للمنظمة، خاصة وأن ثمة عوامل تفرض نفسها على المنظمات الحديثة، منها ازدياد حجم المنظمات وتنوع الوظائف والمنافسة الحادة وضرورة تحسين الجودة والخدمات وتقديم الأفكار ومجابهة التقدم التكنولوجي وما يتبعه من تغيير في الوظائف والهياكل التنظيمية وإحلال وظائف محل أخرى•
فتشمل الأنشطة السابقة كل ما يمس قوى العمل في كل مراحل العمليات في المنظمة بدءاً بمرحلة التخطيط لإعداد العناصر البشرية واحتياجاتها وتعيينها في الوظائف المختلفة في كل المستويات التنظيمية في المنظمة وتحديد المواصفات اللازمة واشتراط شغل الوظائف وترتيب وتصنيف الوظائف•
كذلك تشمل كل ما يتعلق بالأفراد في مرحلة تنمية العمل وتدريبها وصقل مهاراتها وتزويدها بالقدرات الفكرية وخبرات اتخاذ القرار ومهارات تحقيق الأهداف والتخطيط الاستراتيجي، وكذلك تنمية المهارات السلوكية وخبرات العلم الجماعي والمهارات القيادية والمرونة في تطبيق أساليب الإدارة، وكذلك تنمية المهارات الفنية وأساليب وطرق العمل والمهارات الإشرافية وممارسة الأعمال اليومية وتقييم الأداء وتحديد المسارات الوظيفية وأساليب ونظم ترقية الأفراد•
كذلك تشمل هذه الأنشطة صيانة الأصول البشرية، وتحفيزها، وتحسين علاقات العمل وتفاعل الأفراد وتحسين مواقفهم وجماعات العمل وبث روح الفريق في الأداء وتحسين قدرات ومهارات الاتصال•
تطوير الأعمال في مواجهة ثقافة الاستهلاك وإعلامها
ونحن في الدول النامية نعاني من هذه الصعوبات الاقتصادية، فكل المحركات الحضارية والإعلامية اليوم تدعم الاتجاهات الاستهلاكية بكل أنواعها، ولكنها لاتدعم ثقافة الإنتاج والبناء المؤسسي، وكلما ازداد الإحباط والضعف والركود تحول الناس إلى الاستهلاك، وضعفت قدرتهم على الإنتاج، ويشعر أصحاب العمل باستمرار بتخلف أعمالهم وبالفجوة التقانية وضعف الأطر ويصابون بالتحفظ والبلبلة، ولا يستطيعون التكيف بسهولة، مع أن هذا هو قانون الحضارة وقانون تطور المجتمعات البشرية، وأهمية المؤسسات التي تستطيع إعادة تكييف اقتصادها واستراتيجياتها وإقناع الجمهور العام بعمق هذه التحديات وحاجتها إلى الطاقة الإبداعية، وذلك بالمنطق القائل: إن الحاجة أم الاختراع والذي هو سبيل التطور• وكلما كانت منظومات المجتمع مترهلة وبطيئة التغيير كان الجمود كبيراً والانهيار الاقتصادي أعمق، وهذا ما يحدث في الدول النامية، عموماً نحن لا نقتنع بعمق التغيير المطلوب وننظر إلى الماضي حين كان اقتصادنا ينمو رغم الضعف الحضاري والتعليمي والاجتماعي السائد، ونظن أن الأمر ما هو إلا سحابة صيف ستنجلي لتعود وتراهن على أساليبها الاقتصادية التقليدية، وهنا يبرز دور الوعي والثقافة والإدراك العميق لمتغيرات العصر، وكيف نعيش حالة الصدمة التقانية العالمية وتطور وسائل الإعلام وحالة الضعف المتمادي في وسائل الإنتاج، وانهيار منظومات الإنتاج وتتطور منظومات الاستهلاك، فكيف نخرج من هذه الحالة، وهنا يبدأ الاستفزاز الحضاري لكل أنواع الطاقة البشرية التي يجب أن تتبلور اتجاهاتها بسرعة وبشكل حضاري، وكيف نعزز هذا الوعي لدى الناس ليطوروا قدراتهم وطاقاتهم بالاتجاه المناسب، وكيف نجعل الفكر التقليدي يستجيب لصدمة التغيير، وهنا لا نعني بالتغيير الاستجابة لمعطيات العصر فقط أو بكل أركان هذه المعطيات ولكن بشكل انتقائي، بمعنى أن نصنع التغيير الاستراتيجي المناسب لمواجهة تحديات العصر•
دور الثقافة والإعلام في تطوير ثقافة العمل
الثقافة في عصر المعلومات هي صناعة بل هي أهم صناعة في المجتمع، لأنها صناعة الأفكار والقيم التي تحرك المجتمع وطاقاته، وهي تحقق الأساس لبناء مجتمع حضاري فاعل، وهنا يبرز السلوك الوطني للمواطن، ومدى مطابقته للحقائق العلمية والتقانية والاجتماعية والنفسية، ومتى تجرنا ثقافتنا الذكورية للتناقض والضعف والظهور بمظهر المنظر الذي لا ينفذ قناعاته حتى على نفسه، فما هو إذاً مردود ثقافة يعلنها مثقفون ولا يستطيعون أن يكونوا فيها قدوة للآخرين•
وكيف نتعامل مع مجتمع لا يتغير بعقله الثقافي استجابة لضرورات العصر، والتي غالباً ما تجر الضعف والويلات على المجتمع، إن لم نقل التخبط وضياع الطاقات البشرية•
إن المجتمعات اليوم التي تتعامل مع متغيرات عدة ومتسارعة تقع أسيرة التأثير الثقافي الناتج عن ثقافة العولمة وقدرة وسائلها المذهلة في بناء ثقافة ضعيفة واستهلاكية محبطة في أذهان الشباب، وهذا ما تتعرض له مجتمعاتنا اليوم، والحل يأتي عن طريق بناء الثقافة الفاعلة والواعية وإدارتها باستخدام وسائل الإعلام الحديثة بشكل فاعل ومنظم من خلال بناء صناعة إعلام حديثة وفاعلة، فالإعلام غير المؤثر وغير المقنع ثقافياً هو ثغرة مع ثقافة العولمة التي تفرض علينا أن نكون متأثرين لافاعلين ننجر للاستهلاك وتبني العادات المستوردة من الخارج دون النظر بعمق ووعي لنضج المجتمع واحتياجاته وأولوياته الوطنية•
وقد يقول قائل لكن هذا سيصطدم بجدران الحوار والنقاش التي نعرف عقمها في بلادنا فنحن نختلف من أجل الاختلاف ومن أجل أن يُبرز كل منا وجهة نظره ولا تتكامل الآراء ضمن منظور وطني، وكل منا حتى المثقفين أو المثقفين خاصة يحاول أن يلغي الآخر بدل أن يتكامل معه في منظور وطني، ويستفيد من النقاط المضيئة في تفكيره ومعالجته في الواقع، ولكن الأمر في أن هذه الحالة اليوم هي في حالة تغيير مستمر فدرجة الحوار اليوم أوسع بفعل التغيرات الحضارية وحالة اللاتأكد من المعرفة والمعلومات السائدة في العالم، وضعف هيمنة الإيديولوجيا والشعارات وسيادتها في العالم، لأن الإيديولوجيا أطرت التفكير في الماضي بشكل محكم، أما اليوم فالتفكير السائد هو التفكير المنطلق الذي لا يستجيب إلا لضوابط العقل والحاجة والقيم المعاد تشكيلها وفق منظور حضاري، مما يجعل الأفكار اليوم تبنى على أساس واقعي وديناميكي متحرر من عقد الماضي أو المسلمات غير المختبرة عصرياً، فعقل اليوم ليس عقيماً بل هو قادر على تلمس الحقائق بشكل يجعلها شبه كمية قابلة للتحكم والإدارة•
إنه عالم المصالح والاستثمار الذي لا يسمح ببناء ثقافة فاعلة بقدر ما يروج لمصالحه وأفكاره• ثمة مسارات عدة لإدارة الثقافة الفاعلة، من هذه المسارات ثقافة الإدارة والمؤسسات فمن يؤمن أن العمل المؤسساتي أفضل من العمل الفردي ومن يفضل تطبيق ثقافة فرق العمل على ثقافة العمل الفردي، فيزيل حواجز الخوف من الشراكة وحواجز الخوف من الآخرين مبتعدين عن ثقافة الأنانية الشخصية مع زرع فكر التكافل والتشارك والنوعية والإبداع والقيادة الإنسانية•
هذا يقودنا بشكل أو بآخر إلى موقع المثقف في مجتمعاتنا وإدراكه لمشكلات المجتمع وجذورها، وانعزال هذا المثقف أو قدرته على تغيير المجتمع من خلال تسويق أفكاره ومشاركة المثقفين الآخرين بفاعلية لتغيير المجتمع وتوعيته ورفع سوية الإدراك العام والسير وفق استراتيجيات وطنية واضحة تحفظ القيم، فهذا الانعزال الواضح للمثقفين مع جرعة الإحباط وضعف التواصل هو داء المثقفين قبل المجتمع، وإدارة العمل الثقافي وتطوير وسائل الاتصال هو أحد مزايا تطور إدارة الثقافة ونضجها في المجتمعات، هنا يأتي إيمان المثقفين في التغيير ودورهم كطليعة واعية في العمل، وتوضيح الرؤى وتفسير مسيرة المجتمع وطرق بناء الأسس والقيم الاجتماعية في المجتمع وانعكاسها على المستقبل الحضاري للوطن، فما يعيب مثقفينا اليوم هو ضعف تسويق الأفكار لديهم وفرديتهم وضعف الحوار فيما بينهم لتطوير رؤى وطنية ثقافية فاعلة•
دور الثقافة والإعلام في الترويج لأنماط العمل الإبداعية الجديدة
وهنا يأتي دور الثقافة والحوار ودور الإعلام في فتح حوار ثقافي وطني، والسعي لإعادة تسويق الأعمال وتوضيح الوجه الحضاري لهذه المهن، وتوضيح التقصير الذي استقبلت فيه هذه المجتمعات قيم العمل وارتباط ذلك بثقافتها وطريقة تقبل المجتمع والخدمات، إن هذا التحدي هو من صلب فكر المعلومات وتحديات عصر المعلومات القادم، فكما أن المؤسسات تحتاج إلى إعادة تنظيم الأعمال والإدارة الاستراتيجية في تحديد أهدافها وطرق أعمالها وفي الاستثمار في العنصر البشري، ودراسة إستراتيجية الاستثمار في تنمية الموارد البشرية لديها، فالمجتمعات كذلك بحاجة إلى استثمار الفرص الكامنة للوظائف والأعمال ضمن التطور الحضاري الحاصل الذي يحول القصور السابق في النظرة الثقافية لبعض المهن إلى تطور في استقبال المفاهيم وتحويلها إلى أطر تطوير وتفعيل تنشط منظومة العمل والاقتصاد في عصر انفتاح الأسواق وانخفاض الحماية للصناعة الوطنية•
أمثلة عن تجديد المهن بمنظور معرفي
وكمثال عن هذه الأعمال سنبدأ بتحديد بعض المهن والوظائف والنظرة التقليدية لها، والمعنى الثقافي الجديد الواجب تجسيده، فمن الوظائف الحضارية الهامة السكرتارية ومندوبو المبيعات والتسويق والعلاقات العامة، ففي السكرتارية ثمة نظرة محدودة لهذه الوظيفة الهامة إدارياً والتي تجعل أهمية السكرتير الخبير قريباً من أهمية مديره ومساعد أساسي له وللشركة، فالسكرتير أو السكرتيرة ليسا خادمين ومقدمي خدمات في الشركة أو رادين على الاتصالات الهاتفية، السكرتير هو منظم للاتصالات والأرشيف وأمين لأسرار الشركة ومساعد في إظهار الوجه الحضاري لعمل الشركة، يراقب الخدمات ويتعرف على الزبائن، وموقف المدير من كل منهم، وينظم اتصالاتهم وعلاقاتهم مع الإدارة، وهذه المهن تحتاج إلى خبراء في الطباعة ومهارات في الاتصال وفهم للزبائن وخبرات في العلاقات العامة وخبرات في تنظيم الأرشيف والمعلومات وخبرات في تنظيم كل المهام السابقة على الحاسوب، وهنا تتحول السكرتارية لوظيفة إستراتيجية في المؤسسات•
ثقافة أعمال الاستشارات وصناعتها
تعد أهم الصناعات في عصر الاقتصاد المعرفي صناعة الاستشارات وخدماتها، وهو مجال تزداد أهميته بسبب تعقد المنظومات والسياسات والحاجة إلى خبراء واستشاريين بشكل متعاظم، وتشكل هذه المهن أساساً لنمو الثقافة والعلوم والمعارف وتنميتها بشكل مجارٍ للعلوم والتقنيات العالمية، وهنا يصبح الجزء المعرفي أساساً في إدارة المؤسسات وتحديد الجدوى الاقتصادية وتصحيح سياسات التسويق والبيع واقتراح سياسات مناسبة للإنتاج والتطوير والإعلام والترويج•
تعد صناعة الاستشارات صناعة وقائية وتوجيهية تحفظ الشركات والمؤسسات من الانحرافات ولكنها تتطلب قيمة مجتمعية للعمل الفكري والاستشاري وتتطلب مصداقية علمية عالية، فالأعمال الاستشارية تتطلب خبرات ومعارف مركزة وحديثة من جهة، وتتطلب ثقافة ملكية فكرية وتقدير للحلول والمعارف من جهة أخرى، وهي أنماط معرفية تنمو بالخبرة العملية والعلم والمتابعة، ويعد نشر ثقافة الاستشارات وخدماتها مرتبط بثقافة حماية الملكية الفكرية في المجتمع، والنظر إلى الملكية الفكرية على أنها أهم من الملكية المادية، وهذه الصناعة ترتبط بالصناعات الفكرية والإبداعية والدراسات والبحث العلمي، ولكنها في النهاية ترتبط بالقيمة المجتمعية لهذه الاستشارات، ولا ننسى بأن ثقافة الاستشارات ضعيفة حتى على صعيد من المحامين والقانونيين والأطباء والكثير من المهن التي ترتبط بقيمة الاستشارة والمعرفة، والتي لم ننجح في تسويق قيمتها مجتمعياً بسبب الخلفيات الثقافية السائدة التي لا تنظر إلى البعد الإبداعي والفني والمعرفي، مع أن التوجه الأساسي اليوم في الحضارة هو نحو الاقتصاد المعرفي•
توصيف المهن والوظائف الاستشارية وصناعتها
حتى تنمو صناعة الاستشارات فنحن بحاجة إلى بيئة تشريعية مناسبة توصف المهن الاستشارية وتصنع لها سوقاً تنافسياً بالخبرة والمعرفة وتربطها بإنشاء بنوك معلومات معرفية، وتوصيف العاملين في هذه المجالات ودقة خبراتهم وأهميتها وتغربل هذه المعارف حتى لا تتحول إلى غطاء ظاهري لخبرات مكررة وغير علمية ولا تؤدي نتائج تقي المؤسسات والأفراد مخاطر الانحرافات وضعف الرؤية والتوجه، ومن هنا تولد المسؤولية الوطنية في الجذب الاقتصادي والمعرفي لهذه المهن ودقة تعريف الخبرات الاستشارية وترخيصها بشكل رسمي وبمراقبة دقيقة، تتعلق بإلغاء هذه التراخيص حين حصول أخطاء وتجاوزات•
سنحتاج في الفترة القادمة إلى نخبة كبيرة من الاستشاريين في المجال المالي والحقوقي والمحاسبة القانونية والجدوى الاقتصادية وتطوير سياسات التسويق والبيع والتوزيع، واستشارات التطوير والهيكلة وسياسات الاستثمار في العنصر البشري، إضافة إلى الاستشاريين الفنيين في كل الاختصاصات، فإذا استطعنا تطوير خدمات الاستشارات بتكلفة مقبولة وبسوية ومصداقية عالية وتم تنظيم هذه المهن والخدمات بشكل علمي يجذب الخبرات الاستشارية العالمية، فسنساهم في جذب الأطر الوطنية لتطوير مستمر في علومها وخبراتها، وسيساهم هذا الجانب في تنشيط معظم المهن المعرفية التي تقدم قيمة مضافة عالية اقتصادياً تُعد توجهاً استراتيجياً في تطوير اقتصاديات أي بلد في العالم، إضافة إلى ذلك يجب أن تحصل هذه المهن على أجور مرتفعة تتناسب مع الجهد الفكري الذي تقدمه للمجتمع•
توصيف مهن وصناعة الخدمات في المجتمع
تعد صناعة الخدمات بكل أنواعها عصب تطوير أي اقتصاد في العالم بغض النظر عن توجهاته الصناعية والزراعية والتجارية بسبب سعة استيعاب هذه الصناعة للعمالة، وارتباط هذه الصناعة بالتدريب والتأهيل والمهارات والتنظيم، وهي تتجه اليوم نحو الصناعات الخدمية المعلوماتية والمعرفية لتطوير نماذج الخدمة في كل مهنة وعمل لإضفاء صفة الدقة وجودة الخدمات ونمذجتها ضمن مؤسسات خدمية تعتني بنموذج الخدمة ودقتها، ويمكننا اليوم القول إن الصناعة هي خدمة وإن العمل الصناعي لم يعد إنتاجياً فقط في عصر إرضاء الزبائن، فهو شديد الارتباط بخدمات التسويق والترويج والإعلان والتوزيع، ودون ضبط منظومة هذه الخدمات في إطار مؤسسي لا تنجح الصناعة مهما كانت معقدة في آليات إنتاجها•
قيمة المهن اقتصادياً وأهمية تسويق المهن اجتماعياً وثقافياً
إن قيمة أي مهنة تكمن في النظرة الاجتماعية لها، والمردود المالي النسبي لها وأبعاد تطوير هذه المهنة وحاجتها إلى البعد المهاراتي أو البعد التعليمي، وثمة أبعاد كثيرة لتسويق أفكار المهن وتطويرها تتعلق بمعايير اجتماعية سائدة في المجتمع، مثل استقبال المجتمع لعمل المرأة أو حتى الثقة في عمل المرأة في مكاتب خاصة، وكذلك ثقة ومشاركة صاحب العمل للعاملين لديه من ناحية، ومدى النتائج الممكن تحقيقها من هذا العمل اجتماعياً واقتصادياً واستقرار هذه المهنة من ناحية المردود•
والواضح في هذا المجال أن النظرة إلى أي مهنة سواء كانت سلبية أم إيجابية تلتصق بالمهنة اجتماعياً لفترات طويلة ويتحدد من خلالها إقبال الناس على ممارستها أم لا، هذا يحدد ضعف آلية التغيير والتطوير مع المهن بأبعادها من جهة أخرى، والواضح كذلك أن ممارسة أي مهنة تتم بشكل تقليدي محدد ليس فيه أبعاد جديدة ناتجة عن الخبرة والمرونة في تطوير المهن، وهذا الأمر يتكرر في المجتمعات التقليدية، وكمثال على ذلك نذكر كيف ننظر إلى مهن النجارة والحدادة ومنجور الألمنيوم، كيف تتخذ طابعاً مهنياً لا يرتبط بالدراسات والتصميم وهذا يحدد شكل المهن اجتماعياً وعدم قدرة ممارسي هذه المهن على تطوير ممارستها وارتباطها بالتصميم وتسويق النماذج بطرق دعائية خاصة وتحديد مواصفات خاصة لمنتجاتهم بشكل منمذج، وهذا التفكير الذي يرسخ نموذج الورش وصاحب العمل وعقليته الخاصة في التحكم بورشته وعدم الانتقال لنمط مؤسسي يوسع الخدمات ويضبط مواصفاتها، هو طريقة تفكير يفضلها المجتمع على النموذج المؤسسي الذي يظنون أنه أكثر تكلفة ولكنهم لا يلمسون النتائج الإيجابية الناتجة من توزيع العمل وتنظيمه وتسويق نماذج محددة من الخدمات•
إن هذه الحواجز الفكرية في استقبال مفاهيم العمل اجتماعياً وارتباط ذلك بالعادات والنظرة إلى عمل المؤسسات وارتباط ذلك بفكر الخوف من الأعباء المالية للضرائب، هي نتيجة لتخلف المجتمع في بناء أنماط عمل أكثر تنوعاً وانفتاحاً وتساعد في فتح المجال لتشخيص وظائف واختصاصات ذات قيمة خصوصاً في هذا العصر الذي ينطلق في تطوير منظومات الخدمات وضبط أدائها•
المهن المعلوماتية وآفاق تنظيمها وتطويرها
من المهن والأعمال المعلوماتية، البرمجة وتحليل النظم وإدخال النصوص وبيع الحواسيب والبرمجيات والصيانة والدعم الفني والتصميم الهندسي بوساطة الحاسوب والتصميم الفني والإعلامي بوساطة برمجيات الغرافيك، وهناك مهن تصميم الأفلام الكرتونية وتصميم الإعلانات التلفازية والاستعراضات، وهناك تركيب الشبكات وتصميم المواقع على الإنترنيت، وهناك التحكم الإلكتروني، ومهن عدة تتعلق بخدمات المعلوماتية من مقاهي الإنترنيت، إلى شركات الصيانة إلى محللي النظم وشركات الدراسات والحلول والاستراتيجيات المعلوماتية، إلى مكاتب إنزال البيانات وأمن البيانات إلى شركات تبني بنوك المعلومات وأرشيفها الإلكتروني، ومعظمها ارتباط بتقديم خدمات المعلومات، وهناك الحسابات الإنشائية والأدوات الطبية المؤتمتة، وغيرها طيف واسع من المهن والأعمال التي تتراوح بين الحداثة والارتباط بالاختصاصات والأعمال السابقة•
إن العالم اليوم يتطور بسرعة مذهلة والمعلومات تزداد تفجراً وتغيراً مستمراً ودائماً، وتطور المهن ارتبط بالمجال المعلوماتي المتسارع، والدول التي لا تمتلك إستراتيجية معلوماتية متكاملة ستقع في خطر المشكلات الناتجة من عدم حماية تلك المهن وتوصيفها وحمايتها وحتى تسويقها، مما سيعرضها للمنافسة السلبية الناتجة من ضعف الخبرات وعدم تقدير تكاليف العمل الجيد ذي المواصفات المقبولة، وهنا يرتبط تطور المجتمعات بتطور سرعة التنظيم للأعمال ومسايرتها لحاجات العصر الحضارية المتسارعة وفق رؤية علمية متكاملة تدرك مصلحة التطوير الوطني بشكل شمولي•
إن المهن المعلوماتية اليوم بحاجة إلى تنظيم وثقافة الأعمال الحديثة والعصرية، والتنظيم تحدده بنية خاصة لكل عمل معلوماتي من ناحية الخبرات المطلوبة وعلاقة أصحاب المهنة ببعضهم وتحديد مواصفات الأعمال وتحديد شرائح الأسعار الدنيا وطريقة احتساب التكاليف بشكل مرن ومنطقي، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذه المعاناة موجودة لأكثر الدول تقدماً، ولكن أنظمة العمل في تلك البلدان متطورة ومرنة بحيث تستوعب وتقدر الحلول وتنظم المهن والأعمال بسرعة لمصلحة تشغيل شرائح أوسع من الشباب في مجال المعلوماتية•
المهن المعلوماتية والبطالة وتغيير طبيعة الجهد البشري
تعالج المفاهيم المعلوماتية الحديثة اليوم موضوعات العمل الإلكتروني والعمل في المنازل من خلال الإنترنيت، ومفاهيم التجارة الإلكترونية، والبيع والشراء من خلال متاجر إلكترونية، كما تعالج مفاهيم التعليم في الجامعات الافتراضية، ومفاهيم المصارف الإلكترونية ومتابعة البورصات وشراء الأسهم من خلال الإنترنيت، كما تطرح المفاهيم المعلوماتية مفهوم الاقتصاد المعرفي وبيع الأعمال الفكرية وحماية الملكية الفكرية والأدبية، كما تطرح مفاهيم التواصل من خلال (المالتي الميديا) والمدن الافتراضية من خلال الإنترنيت، فما هو موقفنا من هذه المفاهيم القادمة؟ وماذا حضرنا لتبنيها أو رفضها والاستفادة من مزاياها، ماذا ستحل التكنولوجيا من مشكلاتنا الحضارية وماذا ستعزز، وما هي المزايا النسبية التي نمتلكها من حيث البنى البشرية أو نوعية الاقتصاد أو طبيعة الخدمات، كل هذا يجب أن تحدده الاستراتيجيات الوطنية والقومية للمعلوماتية، فلماذا لا تكون السوق العربية المشتركة مبنية على سوق إلكترونية عربية على الإنترنيت أولاً مع التبادل التجاري العربي الحر على الإنترنيت، وبنوك المعلومات والدراسات الاقتصادية العربية الاستثمارية وغيرها من خلال هذه التكنولوجيا الحرة التي لم تغلقها القوانين بعد؟! فلماذا لا تكون فرصة للتواصل العربي واللغة العربية، وتكون ساحة لتبادل المعلومات والخبرات والتقارب بين الدول العربية؟!•
تكنولوجيا المعلومات جاءت لتقدم حلولاً، وتغير طبيعة الجهد البشري وتجعله أكثر تركيزاً وديناميكية، وتترك لنظم المعلومات مهمة بناء بنوك المعلومات لنبني قراراتنا وتوجهاتنا بناء على دراسات وإحصائيات متجددة، تدرس ظواهر الواقع وتوجهاته باستمرار لتطرح فلسفة جديدة في العمل لإرضاء الزبون وملاحقة تلبية احتياجاته بناء على البعد المعلوماتي الذي غير طبيعة المهن والأفكار والخدمات، والذي يتطلب شورة في مفاهيم المجتمع لإدراك أن طبيب اليوم والمهندس والتاجر والمصمم، وكل المهن اختلفت مفاهيمها وتوجهاتها في إطار أكثر تفصيلاً وجمالية وديناميكية، وأن المجتمع المعلوماتي سيكون مجتمعاً معرفياً متقارباً متفاعلاً، يحتاج إلى أناس أكثر ديناميكية واستقراء وتحليلاً، يستطيعون تعديل أفكارهم ومواقفهم وعاداتهم وفق المتغيرات المتسارعة، ويستطيعون استيعاب ذلك البعد الحضاري المعلوماتي الذي يغير العالم اليوم، فالحاسوب الذي هدد بإلغاء المهن والوظائف من خلال الأتمتة والذي حاول الباحثون جاهدين من خلال نظم الذكاء الاصطناعي بناء قواعد المعرفة والوصول إلى الحواسيب الأكثر ذكاء التي تحاكي التفكير البشري وتصنع نظماً تغني عن الطبيب والمهندس ومؤلف المقالات وغيرها، وصلوا إلى نتيجة عكسية؛ هي أن الحواسيب ونظم الذكاء الصنعي لا تستطيع مرحلياً إلا أن تكون نظماً داعمة للقرار الطبي أو الإداري أو غيره، وغير مهيأة للاستقلال بذاتها عن الإنسان وذكائه وتقييمه•
أود أن أطرح في النهاية مجموعة من التساؤلات التي تتعلق بتطوير ثقافة المهن والأعمال الجديدة في عصر الاقتصاد المعرفي:
ـ كيف نوصف المهن الجديدة وكيف نطور المهن القائمة ونحدد في أسلوب ممارستها؟•
ـ كيف نقدم الرعاية لشبابنا في التحول إلى أعمال تناسب مهاراتهم، وتتناسب مع الحاجات الحضارية في الخدمات؟•
ـ كيف ننشئ مقاييس وطنية للمهن والوظائف ونعزز تسويقها اجتماعياً والتعريف بخبراتها باستمرار؟•
ـ هل ننتظر التطور الطبيعي للمهن التقليدية أم نقدم جهداً مجتمعياً ومؤسساتياً لتطوير الأعمال والخبرات؟ أم نسعى إلى تحقيق ما نصبوا إليه بالاستناد مايلي:
ـ تطوير برامج إعلامية في مجال ثقافة الأعمال الجديدة•
ـ تسويق المهن والأعمال الجديدة منظومة التدريب والتأهيل لخدمتها لحل مشكلة البطالة•
ـ قيام منظمة وطنية وظيفتها تحديد الاشتراطات المهنية، لممارسة أي عمل أو مهنة ووضع مقاييس لتطوير المهن والوظائف•
ـ التوجه إلى ترابط مؤسسي بين الإعلام والثقافة من أجل الترويج لأفكار مؤسسية وترويج نماذج أعمال جديدة في المجتمع•
ـ تطوير منظومة التعليم والتربية باتجاه التشعيب والتنويع والمرونة لنقل علوم ومعارف مهن واختصاصات جديدة•
ـ دعم القوانين التي تساهم في الأعمال الجماعية والمؤسساتية، وتقديم تسهيلات متنوعة لها بدل تقديم التسهيلات للأعمال الفردية•
ـ دعم صناعة الاستشارات وتوفير بيئة قانونية وتشريعية ملائمة ودعم مصداقية وفعالية هذه الصناعة•
ـ محاولة إصدار قوانين جديدة لتنظيم المهن وعلاقتها مع بعضها، بحيث تساهم هذه الإجراءات القانونية في تنمية ثقافة المهنة وتطويرها، بدلاً من العودة إلى معلم المهنة•
الخاتمة
إذا لم تمتلك المجتمعات مؤسسات قادرة على توصيف وتنظيم المهن وتطوير خبراتها وعلومها من خلال ربطها بمنظومة تعليم تقدم الخبرات والعلوم اللازمة لهذه المهن في الوقت المناسب، وتحقق التنوع والتشعب المناسب في أنواع التعليم، تربط منظومة التعليم بمنظومة العمل في خبراتها وأنماطها، فلن تستطيع هذه الدول التعامل مع تحديات التغيير والتطوير المستمر بشكل فاعل وبإنسيابية عالية•
فنحن اليوم بحاجة إلى حوار علمي وطني حول استراتيجيات العمل ومستقبل ثقافة العمل لدينا وكيف سنواجه تحديات منظومة العمل بفعالية، وعلينا أن ندرك أن كثرة الأفكار المستوردة والمتعارضة مع أفكار متخلفة متناثرة في المجتمع عامل سلبي في التطوير، ما لم ندرك ماذا نريد وكيف نثبت الفكر والأساليب التي نريدها في العمل كإستراتيجيات تحمينا وتتفق مع تحديات العصر وأدواته، مع عدم التحجر في الخصوصية بشكل يلغي اتصالنا مع العالم، وأن نبتعد عن التنظير والتخطيط غير القابل للتنفيذ الناتج عن طروحات غير واقعية ولا تنطلق من خصوصية المرحلة وسرعة تفاعلها والتأثير الثقافي العالمي الذي يقدم معادلات جديدة للعمل والثقافة والإعلام•
نحن أحوج ما نكون اليوم إلى العقليات الثقافية والعلمية الإبداعية القادرة على تحريك طاقات الناس والمجتمع، والقادرة على التأثير والتغيير ووضع الحلول التي تحرق المراحل وتعزز التوعية الاجتماعية وإدراك تحديات العصر المعلوماتية والمعرفية، وإدراك بنى التخلف الفكري والاجتماعي التي تقف عائقاً في وجه التطوير والتحديث، وإرساء الطرق التي تطلق طاقات الشباب وتخاطب خصوصيتهم وإدراكاتهم المعرفية الناتجة من وسائل الإعلام الحديث وثقافة الإنترنيت ومختلف وسائل المعرفة السريعة والتفاعلية الديناميكية التغير، وسيكون لهذا التغيير أثر كبير في تغير علاقات العمل وشكل المؤسسات والشركات الإنتاجية التي تعتمد أسس التسويق وإرضاء الزبون والإقناع والتأثير والترويج من خلال وسائل الإعلام والثقافة، وهذا لن يرضي أصحاب الفكر والعادات التقليدية في البداية، وسيعدونه خروجاً عن الاستقرار الاجتماعي والقيمي السائد، ولكنهم سيتقبلون نتائجه الإيجابية لاحقاً، وهنا لا نعني بأن هذا التغيير سيكون خيراً كله، فلهذه الوسائل الحضارية انحرافاتها من خلال عدم التوازن في استقبالها، وتشوهها على أرض الواقع، وهنا يبرز دور الحوار والإدراك المجتمعي الواعي من خلال الحوار الثقافي القادر على تقديم الوسائل والأساليب الحضارية صافية دون منعكساتها ومؤثراتها المجتمعية الغربية التي قد لا تناسب خصوصية ثقافتنا وحالة تطورها الراهنة•
المصادر
1 ـ العرب وعصر المعلومات ـ الدكتور علي، نبيل ـ سلسلة عالم المعرفة 4991•
2 ـ العرب والعولمة ـ ندوة مركز دراسات الوحدة العربية 7991•
3 ـ ثقافة تنظيم العمل ـ بيرجر، بريجيت ـ ترجمة محمد مصطفى غنيم إصدار الدار الدولية للنشر والتوزيع عام 5991•
4 ـ بناء ثقافة المعايير ـ ترجمة عبد الحكم أحمد الخزامي ـ ايتراك للطباعة والنشر والتوزيع ـ 0002•
5 ـ تكنولوجيا المعلومات على أعتاب القرن الحادي والعشرين ـ جزء أول ـ الخوري، هاني ـ دار الرضا للنشر 8991•